تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 2573

مساهمون:

ص٢٥٧٣
الْقِيامَةِ
لما كانوا تابعين لهم دون الرسل جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين
أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ
هذا التعبير يفيد تهويل أمرهم ، ويبعث على الاعتبار بهم ، والحذر من مثل حالهم ، والدعاء ( ببعدا ) بعد هلاكهم - وهو دعاء بالهلاك - للدلالة على أنهم كانوا مستأهلين له . وقوله
لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ
ذكر النسفي أن فيه فائدة هي أن عادا عادان : عاد الأولى القديمة التي هي قوم هود والقصة فيهم ، والأخرى إرم . وهكذا تنتهي القصة الثانية في هذا المقطع ، وهي قصة هود لتؤدي دورها في سياق السورة بالتمثيل لعاقبة الذين يتركون دعوة الرسول إياهم لعبادة الله ، وتعرض لنا نوعا من الشبه التي استقبلت بها الدعوة إلى عبادة الله ، والرد عليها ، وبطلانها . قال صاحب الظلال تعقيبا على قصة هود في السورة : ( ونقف وقفات قصيرة أمام ما تلهمه قصة هود مع قومه في سياق هذه السورة . . نقف أمام الدعوة الواحدة الخالدة على لسان كل رسول وفي كل رسالة . . دعوة توحيد العبادة والعبودية لله ، المتمثلة فيما يحكيه القرآن الكريم عن كل رسول :
قالَ : يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ
ولقد كنا دائما نفسر « العبادة » لله وحده بأنه « الدينونة الشاملة » لله وحده . في كل شأن من شؤون الدنيا والآخرة . ذلك أن هذا هو المدلول الذي تعطيه اللفظة في أصلها اللغوي . . . . ونقف أمام الحقيقة التي كشف عنها هود لقومه وهو يقول لهم :
وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ ، وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ
. . وهي ذات الحقيقة التي ذكرت في مقدمة السورة بصدد دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقومه بمضمون الكتاب الذي أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير . وذلك في قوله تعالى :
وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ، وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ
إنها حقيقة العلاقة بين القيم الإيمانية والقيم الواقعية في الحياة البشرية ، وحقيقة اتصال طبيعة الكون ونواميسه الكلية بالحق الذي يحتويه هذا الدين . . وهي حقيقة في حاجة إلى جلاء وتثبيت ، وبخاصة في نفوس الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا ، والذين لم تصقل أرواحهم وتشف حتى ترى هذه العلاقة أو على الأقل تستشعرها .