والأجل المضروب إما أجل كل جيل من الناس بالموت المعروف الذي يقطع الحياة .
وإما أجل كل أمة من الأمم بمعنى الأمد المقدر لقوتها في الأرض واستخلافها . . وسواء هذا أو ذاك فإنه مرسوم لا يتقدمون عنه ولا يستأخرون » .
أقول : إن التذكير بنهايات الأمم في سياق النهي عن الإسراف ، وفي سياق ذكر المحرمات واضح الصلة ، فالأمم التي تبطر وتنحرف عن أمر الله بارتكاب الفواحش والآثام تغفل عن مصيرها ، فجاءت الآية الأخيرة في هذا السياق تذكر بالمصير .
* * * وقد لاحظ صاحب الظلال من خلال الآيات التي مرت هنا من سورة الأعراف أن هناك تشابها وتكاملا بين سورتي الأعراف والأنعام فسجله بقوله :
( وقبل أن نترك هذه الجولة نسجل ما لاحظناه من التشابه العجيب في مراجعة المنهج القرآني للجاهلية في شأن الذبائح والنذور والتحليل فيها والتحريم - في سورة الأنعام - ومواجهته للجاهلية - هنا في شأن اللباس والطعام . . ففي شأن الذبائح والنذور في الأنعام والثمار ، بدأ أولا بالحديث عما تزاوله الجاهلية فعلا من هذه التقاليد ؛ وعما تزعمه - افتراء على الله - من أن هذا الذي تزاوله من شرع الله . ثم طلب إليهم الدليل الذي يستندون إليه في أن الله حرم هذا الذي يحرمونه ، وأحل هذا الذي يحلونه
أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ؟ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ . .
ثم واجه هروبهم من هذه المواجهة بإحالة الأمر إلى قدر الله وإلى أمره لهم بهذا الشرك الممثل في مزاولة الحاكمية وهي من خصائص الألوهية :
سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ ! كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا . قُلْ : هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ : قُلْ : فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ . قُلْ : هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ، وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ
حتى إذا انتهى من تفنيد هذا الباطل الذي يدعونه ويفترونه ، قال لهم :
تعالوا لأبين لكم حقيقة ما حرم الله عليكم وحقيقة ما أمركم به : عن المصدر الصحيح الوحيد المعتمد في هذا الشأن ؛ والذي لا يجوز الأخذ عن غيره :
قُلْ : تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً . .
الخ . .