تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 1857

مساهمون:

ص١٨٥٧
الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 57 ) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ( 58 )

« الفقرة الأولى »

المعنى العام للمقطع :

يبدأ المقطع بذكر امتنان الله على عبيده فيما مكن لهم من أنه جعل الأرض قرارا وجعل فيها رواسي وأنهارا ، وجعل فيها منازل وبيوتا ، وأباح لهم منافعها ، وسخر لهم السحاب لإخراج أرزاقهم منها ، وجعل لهم فيها معايش أي مكاسب وأسبابا يكسبون منها ، ويتجرون ويتسببون أنواع الأسباب ، وأكثرهم مع هذا قليل الشكر . ثم نبه الله عزّ وجل بني آدم في هذا المقام على شرف أبيهم آدم ، مبينا لهم عداوة عدوهم إبليس ، وما هو منطو عليه من الحسد لهم ولأبيهم آدم ؛ ليحذروه ، ولا يتبعوا طرائقه ، وذلك أنه تعالى لما خلق آدم عليه السلام بيده من طين ، وصوره بشرا سويا ، ونفخ فيه من روحه ، أمر الملائكة بالسجود تعظيما لشأن الله تعالى ، فسمعوا كلهم وأطاعوا ، إلا إبليس لم يكن مع الساجدين . ثم يقص الله ما كان بعد ذلك ، إذ سأل إبليس عما أحرجه وألزمه واضطره ألا يسجد وقد أمره بالسجود ، فكان اعتذاره بأنه خير من آدم ، وهذا هو الذي منعه من السجود - في زعمه - وهو اعتذار أكبر من الذنب ، كأنه امتنع عن الطاعة لأنه لا يؤمر الفاضل بالسجود للمفضول ، يعني لعنه : أنا خير منه فكيف تأمرني بالسجود له ؛ ثم بين بأنه خير منه بأنه خلق من نار والنار أشرف مما خلقته منه وهو الطين ، فنظر اللعين إلى أصل العنصر ولم ينظر إلى التشريف العظيم ، وهو أن الله تعالى خلق آدم بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وقاس قياسا فاسدا في مقابلة نص ، فشذ من بين الملائكة لترك السجود ، فلهذا أبلس من الرحمة أي : أويس من الرحمة ، فأخطأ ، قبحه الله في قياسه ، ودعواه أن النار أشرف من الطين أيضا فإن الطين