وكم من كلمات براقة ، وكم من مذاهب ونظريات ، وكم من تصورات مزوقة ، وكم من أوضاع حشدت لها كل قوى التزيين والتمكين . . ولكنها تتذاوب أمام كلمة من الله ، فيها من سلطانه - سبحانه - سلطان .
وفي ثقة المطمئن ، وقوة المتمكن ، يواجه هود قومه بالتحدي :
فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ .
إن هذه الثقة هي مناط القوة التي يستشعرها صاحب الدعوة إلى الله . . إنه على يقين من هزال الباطل وضعفه وخفة وزنه مهما انتفش ومهما استطال . كما أنه على يقين من سلطان الحق الذي معه وقوته بما فيه من سلطان الله ) .
فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ
أي من آمن به
بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا
الدابر : الأصل أو الكائن خلف الظهر وقطع دابرهم : استئصالهم وتدميرهم عن آخرهم
وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ
نفى الإيمان عنهم وأثبت التكذيب ؛ ليؤكد أن الاستئصال كان في محله . يقول صاحب الظلال : فهو المحق الكامل الذي لا يتخلف منه أحد . وهو ما عبر عنه بقطع الدابر . والدابر هو آخر واحد في الركب يتبع أدبار القوم ! وهكذا طويت صفحة أخرى من صحائف المكذبين . وتحقق النذير مرة أخرى بعد إذ لم ينفع التذكير .
فوائد :
1 - بمناسبة قوله تعالى على لسان هود
اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ
يقول صاحب الظلال : ( إنها نفس الرسالة ، ونفس الحوار ، ونفس العاقبة . . إنها السنة الماضية ، والناموس الجاري ، والقانون الواحد . .
إن قوم عاد هؤلاء من ذراري نوح والذين نجوا معه في السفينة ، وقيل : كان عددهم ثلاثة عشر . . وما من شك أن أبناء هؤلاء المؤمنين الناجين في السفينة كانوا على دين نوح عليه السلام - وهو الإسلام - كانوا يعبدون الله وحده ، ما لهم من إله غيره ، وكانوا يعتقدون أنه رب العالمين . فهكذا قال لهم نوح :
وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ .
فلما طال عليهم الأمد ، وتفرقوا في الأرض ، ولعب معهم الشيطان لعبة الغواية ، وقادهم من شهواتهم - وفي أولها شهوة الملك وشهوات المتاع ، وفق الهوى لا وفق شريعة الله ، عاد قوم هود يستنكرون أن يدعوهم نبيهم إلى عبادة الله وحده من جديد )