تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 1270

مساهمون:

ص١٢٧٠
إن الجزء الأول من هذا المقطع وهو الآيات الخمس الأولى فصلت فيه سورة النساء ولكن قوله تعالى من هذه الآيات الخمس
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ *
هو الذي أخذ الحيز الأكبر من السورة . فالسورة وضحت التقوى وما يدخل فيها ، في مقاطعها كلها . ولئن جاءت مقدمة سورة البقرة لتعرض صفات المتقين فههنا عرفنا التقوى من خلال الأمر والنهي ، وتأتي سورتا المائدة والأنعام لتفصلا ما لم يفصل في سورة النساء ، أو تقول : إن المقطع المشار إليه في سورة البقرة فيه ثلاثة موضوعات متداخلة مترابطة ، فجاءت سورة النساء لتفصل موضوعا ، ثم سورة المائدة لتبين ما بعده ، ثم سورة الأنعام لتبين الموضوع الأخير . وللإشعار بالتداخل وبوحدة المقطع ، اجتمع في سورة النساء ما له صلة ببدايته وخاتمته . وكما أن المقطع في سورة البقرة مرتبط بالمعاني الموجودة في مقدمتها لأنه يمثل الطريق إلى التحقق بصفات الفئة الأولى المذكورة فيها ، والتحرر من صفات الفئتين الأخيرتين . فسورة النساء هكذا . فالمعاني القرآنية يكمل بعضها بعضا ، ويبني بعضها على بعض ، فالسورة تفصل في محور وفي روابط المحور وفي امتدادات المحور . ومن كان يتابع ما كتبنا حتى الآن أصبح باستطاعته أن يدرك الشئ الرئيسي الذي نلح عليه في هذا التفسير ويدرك أننا على بصيرة في سيرنا بفضل الله عزّ وجل . ونحن لا نشك أن ما اتجهنا إليه في هذا التفسير في موضوع الوحدة القرآنية لا زال غامضا ، ولا زالت أدلته غير واضحة ، ولكنا كذلك لا نشك أن قارئ هذا التفسير من بدايته إلى نهايته سيتكامل معه صرح الأدلة حتى لا يشك أبدا في صحة ما اتجهنا إليه إن شاء الله . ونحب أن نستبق الأدلة فنقول : هل للصدفة محل في هذا الكون الذي هو صنع الله ؟ حتما الجواب لا : هذا ما يقوله كل مؤمن ، وعندئذ يأتي السؤال الثاني : هل هناك شئ في هذا الكون ينفك عن الحكمة ؟ والجواب حتما : لا فإذا كان الأمر هكذا بالنسبة للكون المخلوق ، فما بالك بالقرآن الذي هو كلام الله ، لا شك أن كل حرف في محله ، وأن كل كلمة في محلها وأن كل آية في محلها ، وأن كل سورة في محلها ، وأن كل شئ فيه في محله لفي غاية الحكمة ، والله وصف كتابه بالحكمة فهذا الكتاب الحكيم بكل ما فيه لا تنتهي