تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن — صفحة 343

مساهمون:

ص٣٤٣
مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
« 1 » وقوله تعالى :
وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ
« 2 » . فعدل عن الدعوة إلى الغاية الحقيقية إلى الوعد بالجنّة والوعيد بالنار ، نظرا إلى أنّ جميع النفوس غير قابلة الورود بساحة الحقائق إلّا بالتطميع والترهيب . وكيف كان ، فما عدّه القرآن غاية للإنسان هو العبادة ، وبالتأمل فيما مرّ من لزوم الحقيقية في الغاية تحدس أنّ هذه العبادة المعدودة غاية يجب أن تشتمل على حقيقة غاية الخلقة الإنسانية ، والحقائق التي ينبئ عنها القرآن بالإيماء تارة والتلويح أخرى ، فما يعدّه القرآن من مشاهدة الأنوار الإلهية من الجمال والجلال والتمكّن فيها ، والدخول في حظيرة القدس ومرافقة الصالحين ، والملائكة المقربين والأرواح الطاهرين ، وجنات لهم فيها نعيم مقيم ، كلّ ذلك تحت هذه العبادة المندوب إليها بقوله تعالى :
فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
« 3 » . وقد عرفت فيما مرّ معنى العبادة ، وهو أن ينصب العبد نفسه في مقام العبودية ، فيخضع بحقيقة الخضوع التي تنسيه نفسه ، فلا يبقى إلّا ربّه معبودا مذكورا - جلّت عظمته - ، فيشاهد كلّما يسعه مشاهدته . فإن قلت : إذا كان الإنسان نوعا طبيعيا ذا غاية طبيعيّة حقيقيّة ، ومن الممتنع أن لا يطلب النوع الطبيعي غايته الطبيعية ، فأيّ حاجة ثم أيّ تأثير في دعوته إلى غاية هي العبادة ؟
هامش
( 1 ) . الصف ( 61 ) : 10 - 11 . ( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 221 . ( 3 ) . غافر ( 40 ) : 14 .