ومن هنا يظهر وجه العدول عن نحو قوله :
وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
« 1 » وقوله :
وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ
« 2 » وقوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ
« 3 » وأمثالها الواردة في كلامه تعالى ، إلى « 4 » قوله :
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ
مع أنّ المناسب ظاهرا لمقام الربوبيّة التوسعة في عموم العلم وشموله .
وكذا العدول عن نحو قوله :
عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ
« 5 » - إلى قوله - :
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ
فإنّ هذا هو الأنسب لمقام الربوبيّة من حيث العنوان ؛ إذ عنوانا « الغيب والشهادة » لا دخالة لهما في التدبير ، بخلاف العلم بما بين يدي المربوب وما خلفه ، وهو ظاهر .
ومن هنا يظهر الوجه في تذييله بقوله :
وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ
فإنّ من كمال التدبير أن يجهل المدبّر - بالفتح - بما يعلمه ويريده المدبّر - بالكسر - منه ؛ لئلّا يحتال في التخلّص ممّا يكرهه إلى ما يحبّه لنفسه ، فيختلّ بذلك أمر التدبير ، كجماعة مسيّرين على خلاف مشتهاهم ومرادهم ، فيبالغ في التعمية عليهم ؛ حتّى لا يدروا من أين سير بهم وفي أين نزلوا ، وإلى أين يقصد بهم ، هذا .
فبيّن تعالى : أنّ العلم له سبحانه ، وإنّما يحاط من علمه بما يحاط بمشيّته ، فكلّ ما يعلمه عالم منهم - ثمّ يستخدم ذلك العلم في تدبير - فإنّما هو بمشيّته
هامش
( 1 ) . آل عمران ( 3 ) : 29 .
( 2 ) . يونس ( 10 ) : 61 .
( 3 ) . آل عمران ( 3 ) : 5 .
( 4 ) . متعلق بقوله : « العدول » قبل أسطر .
( 5 ) . الأنعام ( 6 ) : 73 .