تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
المرتبة الثالثة : سن الكهولة ، وهو من الأربعين إلى الستين ، وهذه المرتبة يشرع فيها الإنسان في النقص ، لكنه نقص خفى قد لا يظهر . المرتبة الرابعة : سن الشيخوخة والانحطاط الظاهر ، وتمامه عند الأطباء إلى مائة وعشرين سنة . فهذا الاختلاف في الجسم الإنسانى بالتزايد ، والنقص ، والانحطاط الخفي والجلى ، مع استواء أحوال التربية والتدبير الكائنين من قبل نفسه ، يدل على أنه بتدبير الفاعل المختار ، قال تعالى في سورة النحل :
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ
[ النحل : 70 ] . فقوله :
يَتَوَفَّاكُمْ
، أي بآجال مختلفة ، فلا يقدر الصغير أن يؤخر ، ولا الكبير أن يقدم ، فمنكم من يموت على حال قوته ،
وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ
. وقوله سبحانه في آخر الآية :
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ
، يعنى عليم بمقادير أعمارهم ، يميت الشاب النشيط ، ويبقى الهرم الفاني ، وفي ذلك تنبيه على أن تفاوت آجال الناس ليس إلا بتقدير قادر حكيم ، ركب أبنيتهم ، وعدل أمزجتهم على قدر معلوم ، ولو كان مقتضى الطباع كما يقول الطبيعيون ، لم يبلغ التفاوت بينهم هذا المبلغ . 2 - البر يلد الفاجر ، والفاجر يلد البر : أما أن البرّ يلد الفاجر ، فهو ما يصرح به قوله تعالى حكاية عن إبراهيم وولده إسحاق ، عليهما السلام :
وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ
[ الصافات : 113 ] . قال صاحب الكشاف عند هذه الآية ما نصه : وفيه تنبيه على أن الخبيث والطيب لا يجرى أمرهما على العرق والعنصر ، وهذا ما يهدم أمر الطبائع والعناصر . وأما أن الفاجر يلد البر ، فهو ما يشير إليه قوله تعالى :
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
[ الأنعام : 74 ] ، على أرجح الأقوال أنه أبوه لا عمه . ولا شك أن الماديين يرون هذه المخالفات بعقولهم ، ويبصرونها بأعينهم ، فبما ذا يعللونها وقد انقطع أصلهم ، وانهدم ركنهم بمثل هذه الوقائع وتلك المشاهدات . وإنا لا نأتى إليهم بمثل هذه الحقائق من حيث إن القرآن الكريم قالها ، فهم قاتلهم اللّه لا يؤمنون به ، وإنما نأتى إليهم من حيث إن القرآن ذكرها حقيقة محسوسة ، وواقعة ملموسة
عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 63 | الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي