تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
وقوله :
بِغَيْرِ عَمَدٍ
، أي رفعها خالية عن عمد مرئية ، وانتفاء العمد المرئية يحتمل أن يكون لانتفاء العمد والرؤية جميعا ، أي لا عمد لها فلا ترى ، ويحتمل أن يكون الانتفاء للرؤية فقط بأن يكون لها عمد غير مرئى ، وهو القدرة ، فإنه تعالى يمسكها مرفوعة بقدرته ، فكأنها عماد لها ، فقوله :
بِغَيْرِ عَمَدٍ
معناه بغير عمد مرئية ، فكلمة النفي وإن كانت متقدمة في الذكر ، فهي متأخرة في المعنى ، وكونها مرفوعة بعماد غير مرئى مثل كونها مرفوعة بغير عماد أصلا في كون ذلك الرفع عجيبا خارجا عن دائرة العقل والخيال ، فإنا لا نتعقل ارتفاع السقف الواسع الرفيع السميك بغير عمد مرئية ، ونظير الآية في الاحتمالين قولك : ما رأيت رجلا صالحا ، فإن صدقه يحتمل أن يكون لانتفاء الرجل والصلاح جميعا أو لانتفاء الصلاح وحده . ويصح أن يكون قوله :
تَرَوْنَها
استئنافا ، والضمير فيه يعود على السماوات بعد أن كان راجعا إلى العمد فيما تقدم ، والجملة لا محل لها من الإعراب ، كأنه قيل : ما الدليل على أن السماوات مرفوعة بغير عمد ، فأجيب بأنكم ترونها غير معمودة ، أو فاستشهد على كونها مرفوعة بغير عمد برؤية الناس لها كذلك . الدليل الثاني : قوله سبحانه :
وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى
[ الرعد : 2 ] : والمعنى أنه سبحانه ذلل الشمس والقمر لمنافع خلقه مقهورين ، يجريان على ما يريده سبحانه ، كل منهما في فلكه إلى وقت معلوم ، وهو فناء الدنيا وزوالها ، فعند ذلك الوقت تنقطع هذه الحركات ، وتبطل تلك التسخيرات ، كما وصف اللّه تعالى ذلك في قوله :
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ
[ التكوير : 1 ، 2 ] ، وقوله :
إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ
[ الانشقاق : 1 ] ، وقوله :
إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ
[ الانفطار : 1 ] . ويصح أن يكون معنى الأجل المسمى هو المدة المعينة لكل منهما التي يتم فيها أدواره في منازله المخصصة له ، والتي ينجم عنها الشهر بالنسبة للقمر ، والسنة بالنسبة للشمس ، على ما يقوله أهل الفلك . ووجه الدلالة على المراد في هذا الشأن أن اختصاصهما بالحركة الدائمة على وجه مخصوص من البطء والسرعة ، ونسق معين ، مع كون الأجسام متماثلة ، لا بدّ له من مخصص ، كما تقدم ذكره عند الدليل السابق . هذا ولما كان خلق السماوات والأرض غيبا لتقدمه ، وكان مقصودنا إلزام الماديين بما
عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 57 | الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي