تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
ووعى ما يدعون إليه من أمور صالحات ، فدعا قومه إلى الاستجابة لهم وعبادة اللّه الجدير بالطاعة والعبادة ؛ لأنه الخالق القادر ، الذي لا تنفعه طاعة ، ولا تضره معصية ، وبيده الخير ، وهو على كل شئ قدير . أما ما يعبدون من آلهة ، فهي عاجزة عن حماية نفسها ، وحماية عابديها ، ولكن الكفار عاجلوه بالقتل ، فأدخله اللّه جناته جزاء لطهارة نفسه ، وثبات يقينه ، وشدة تمسكه بالحق ،
قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ
[ يس : 26 ، 27 ] . تمنى في موقفه بين يدي ربه أن يحظى قومه بذلك الظل الظليل من النعيم ، بإيمانهم بالرسل ، واتباعهم لأوامر اللّه . هذا مثل مضروب لأصحاب قرية ظالمة ، وأمر الرسول بأن يقصها على كفار قريش ، فالمواقف متشابهة بين أصحاب القرية وكفار قريش ، والأحداث تكاد تكون واحدة ، والنتائج أيضا واحدة ، فمنهم من آمن ، ومنهم من كفر ، وما أطلق اللّه عليه مثلا ، فهو مثل لاستجماع شروط المثل فيه كما قدمنا من متمثل له ، ومتمثل به ، وتصوير حال ، وتحقيق هدف . فالعبرة من وراء هذه القصة واضحة ، في الدعوة إلى الاستجابة لكل دعوة بناءة ، والإيمان القوى القائم على الدليل والبرهان ، وبخاصة إذا كانا مأخوذين من واقع الحياة . وقد أدى هذا المثل الغاية المقصودة من ورائه ، في لفت الأنظار إلى ما حدث قديما من أمور في مجتمعات لا تختلف كثيرا عما يحدث في مجتمعات أخرى بعد حين من الزمن قد يطول ، وقد يقصر ، فالنفس هي النفس ، والتفكير يتشابه ، ويحتاج الأمر إلى الصبر ، ومحاولة الإقناع بالدليل وبالبرهان ، ويعرض ما يراد عرضه بأسلوب يجذب الأنظار ، ويقنع العقل ، ويرضى المنطق ، وبخاصة لو صيغ هذا المثل في ثوب فضفاض من القصص والأسلوب الحوارى الذي تبدو فيه الشخصيات المتنوعة ، وما تعرضه من واقع وأحداث تكون بمثابة الدليل والبرهان على ما يعرض من أمور العقائد ، وبخاصة الأساسية منها من إيمان باللّه وحده ، واتباع للرسول في كل ما يأتي به ، الإيمان بالبعث ، والحساب ، والنشور ، الطاعة للّه في كل أوامره . الرسول ما عليه إلا البلاغ ، العمل من أجل الآخرة ، الجهاد باب من أبواب الجنة .
عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 207 | الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي