تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
رسالة الإسلام تحددت من قبل السماء ، وبوحي اللّه إلى بنى البشر عن طريق خاتم الأنبياء محمد ، عليه الصلاة والسلام ، في صنع هذا الأنموذج الرفيع لتلك الأمة التي عبرت عنها الآية القرآنية :
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
[ آل عمران : 110 ] . أمة ذابت بينها الفوارق العرقية ، والطبقية ، واللونية ، ولم يبق أمام المساءلة الإلهية يوم القيامة إلا ذلك المبدأ :
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
[ الحجرات : 13 ] ، انصهرت هذه الأمة في بوتقة الإسلام ، فكانت جديرة أن تكون شهيدة على الناس يوم القيامة ،
وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
[ البقرة : 143 ] . أمة صنعها اللّه سبحانه بقرآنه المعجز ، وبتكاليفه ، وأوامره ، ونواهيه ، فاستقامت شؤون الحياة ، وصلح أمرها ، وأمر معتنقي رسالة الإسلام ، والمتبعين لتعاليم اللّه دون بغى أو عدوان . عاشت هذه الأمة في ظل القرآن ، وسعدت بعدالة السماء ، وتأثرت بأخلاق رسول اللّه وصفاته ، وأخلاق صحابته ، وما كان لهم من مجاهدة وجهاد في سبيل اللّه ، وما ظهر على أيديهم من عدالة وسماحة نبعت من شريعة اللّه ، وعالجت أوضاع الحياة بالاستقامة على النهج والتمسك بالتعاليم ، والفهم للغايات . ثم رانت عليها نومة ثقيلة ، بفعل الجهالة التي تحكمت في العقول ، والذلة التي هيمنت على النفوس ، والتواكل الذي أضاع جوهر التوكل ، والدسائس التي حيكت ضد الدين وأهله من داخل البلاد وخارجها ، ومن الاستعمار الذي بسط سلطانه بالقهر والعدوان على مقدرات هذه الأمة وعلى مقدساتها ، وعلى كل من نطق بالضاد ، ومن الفرقة التي أصابت جسم هذه الأمة ، فتفشى داء الانقسام بين أطرافه حتى غدا أوصالا ممزقة ، وفرقا شتى ، وشيعا وأحزابا ، يحارب بعضها بعضا ، وتولى زمام الأمر فيها إما جاهل أحمق ، وإما مستبد غاشم ، وإما عبد لشهوات نفسه ورغائبها ، وهكذا أصبحت الأمة الإسلامية بعد قرون طويلة من القوة ، جسدا مريضا تنهشه كلاب جائعة من حوله ، لا تترك فيه رمقا من حياة ، ولا تقدم له الدواء كي يعيد سيرته الأولى في قيادة الحياة وإنارة البصائر ،
وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ
[ التوبة : 32 ] . وبعد لأي من الزمن ، وصحوة القلب المريض ، ويقظة العقل الجاهل ، تنبه المسلمون