تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
بَينَ أصْحابِكَ وَدَعِ الشّاذَّ النادِرَ ، فإنّ المُجْمع عَلَيه لا رَيبَ فِيه » « 1 » . بل ويستفاد من تاريخ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله أنّه كان يحترم رأي الأكثرية من المسلمين في موارد المشاورة ، بالرغم من كونه صلى الله عليه وآله يمثل العقل الكلي . ويتضح ذلك في معركة أُحُد عندما شاور المسلمين بخصوص مسألة البقاء داخل المدينة أو الخروج منها وخوض الحرب خارجها ، فلما رأى إجماع أكثرية المسلمين على تأييد النظرية الثانية ، قبلها وعمل بها ، حتى إنّه صلى الله عليه وآله لم يعتن برأيه الشخصي المؤيد للأقلية . فأعطى بذلك أكبر درسٍ في تاريخ الإسلام بشأن مسألة الشورى « 2 » . وكما هو معلوم لدينا أنّ نتيجة هذا الأمر لم تكن إيجابية تماماً ، ولكن بالرغم من ذلك فإنّ فوائد احترام الشورى كانت أكثر بكثير من الخسائر الفادحة لمعركة أُحُد ! ( فتأمل ) . وحصل ما يشبه هذا الأمر أيضاً في معركة « الخندق » ، فقد جاء في ( مغازي الواقدي ) أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله كان يشاور أصحابه كثيراً في المسائل والأمور العسكرية والحربية ، ومن ذلك أنّه قال صلى الله عليه وآله لأصحابه قبل وقوع معركة الخندق : هل نغادر المدينة ونقاتل جيش المشركين ، أم نبقى في المدينة ونحفر خندقاً حول المدينة ، أم نكون على مقربةٍ من المدينة ونجعل الجبل خلفنا ؟ ! وعندها اختلف أصحاب النبي الأكرم صلى الله عليه وآله حول هذه المسألة . . . فرأى جمعٌ من أصحابه أن يخرج النبي صلى الله عليه وآله خارج المدينة ، ولكن سلمان قال : كنّا إذا داهمنا فرسان العدو وخشيناهم ، نحفر الخندق حول المدينة ، فهل تجيزنا يا رسول اللَّه أن نحفر خندقاً حول المدينة ؟ فنالت وجهة نظر سلمان قبول ( أكثر ) المسلمين ( ورجّحوا حفر الخندق وقبل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله بهذا الرأي ) « 3 » . ونكرر القول مرّة أخرى ، أنّه في عملية الشورى ، عندما تتعرض مجموعة ما للقيام بمسألة الشورى - وخاصة في المسائل الاجتماعية المهمّة - فقلّما يحصل الإجماع على رأي واحد ، ولو أهملت الأكثرية ولم يؤخذ بها ، لن ينجز أيّ عمل على الاطلاق .
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة ، ج 8 ، ص 75 ، الباب 9 من أبواب صفات القاضي ، ح 1 ، ( 2 ) سيرة ابن هشام ، ج 3 ، ص 66 . ( 3 ) مغازي الواقدي ، ج 1 ، ص 444 ( مع التلخيص ) .
نفحات القرآن — صفحة 97 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي