نحن لا نقتدي بإنسان مثلنا أبداً ، بل بإنسان له اطّلاع واسع جدّاً ، وعلمه متصل بعلم اللَّه اللامحدود عن طريق الوحي ، واتّباع شخص كهذا منطقي جدّاً .
ج ) ممّا تقدّم يتّضح الجواب على الإشكال الثالث أيضاً ، إذ إنّ إطاعتنا لأوامر الأنبياء عليهم السلام والوقوف رهن إشارتهم لتقواهم التي لا مثيل لها والتي لمسناها فيهم .
نحن نضع أحياناً قلوبنا وعقولنا التي تعدّ أهمّ وأعزّ أعضائنا تحت تصرّف الجرّاح الذي نثق به ، فينهال عليها بمبضعه ، وحينما نوافق على تخديرنا من قبله ليفعل ما يريد ، فهل يُعدّ هذا العمل حماقة ؟
بديهي إنّه ليس كذلك ، فعلم ومعرفة الطبيب الجرّاح من جهة ، وحسن ظنّنا بعمله من جهة أخرى ، يبعثان على التسليم له بلا قيد أو شرط ، ولا يخفى أنّ الأنبياء عليهم السلام الإلهيين يفوقون الطبيب علماً وتقوى بكثير .
د ) أي أمر غير منطقي يوجد في تعليمات الأنبياء عليهم السلام ؟ فهل مراسم الحجّ والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمرات والإحرام هي خلاف العقل ؟
إنّ تأمّلًا بسيطاً في فلسفة هذه الأعمال يكشف عن مدى حكمتها ، وكيف أنّها تربّي الإنسان تربية صالحة .
فنحن نخرج عند الإحرام من حجاب عالم المادّة ، ونترك كلّ الفوارق القوميّة والعرقية والطبقية جانباً ونقف كلّنا سواسية ونترك كلّ ما يشغل القلب جانباً ولو مؤقتاً ، ونتفرّغ ل « معرفة وجودنا وخالقنا » في عالم معنوي خالص .
والجمرات الثلاث تمثّل الشيطان ، إذ نرميه بالحصى سبع مرّات متعاقبة ، وبهذا نعلن عن رفضنا واستيائنا من الاعمال والأفكار الشيطانية .
نفحات القرآن — صفحة 38
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٣٨