وبناءً على ما ذكر فإنّ الأنبياء وأولياء اللَّه والشفعاء يستمدون مشروعية شفاعتهم يوم الجزاء من اللَّه تعالى ، ويشفعون بإذنه ، ومن البديهي أنّ إذنه منبثق من حكمته أيوفق أسس محسوبة ، فإن كان هناك شخص لا يستحق الشفاعة فلا يؤذن بالشفاعة له ( احفظوا هذا الكلام جيداً فسيأتي شرحه في الظرف المناسب ) .
ومن الجدير بالملاحظة أنّ الآية المذكورة ( وهي آية الكرسي ) قد أكّدت هذه الجملة بعد أن أقرّت مقام القيمومة والمالكية للَّهتعالى على كل ما في السماوات والأرض ، وعلى هذا فانَّ هذه الشفاعة منبثقة من مالكيّته وحاكميته وقيمومته .
وبهذا فهي تبطل معتقدات عبدة الأوثان الذين يتذرّعون بعبادتها بدعوى أنّها تشفع لهم عند اللَّه .
وورد نفس هذا المعنى بصورة أخرى في الآية السادسة ؛ إذ قالت : « يَومَئِذٍ لَّاتَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَن أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِىَ لَهُ قُولًا » .
ولكن مَن المقصود مِن : « مَن أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ » ؟ هنالك احتمالان :
الأول : هم الشفعاء بإذن اللَّه ، والثاني : هم الذين تشملهم الشفاعة بإذن اللَّه .
إلّا أنّ الاحتمال الأول يبدو هو الأصح لأنّه يتسق ومضمون الآية السابقة ( آية الكرسي ) فهناك كان الحديث يدور حول الإذن للشفعاء ، وتمثل الآية اللاحقة شاهداً آخر على صحّة هذا القول ، ولهذا السبب اختار الكثير من المفسّرين هذا المعنى .
وينعكس كلا المعنيين في جملة « وَرَضِيَ لَهُ قَولًا » ، الأول : إنّها تعود على الشفعاء أي تُقبل شفاعة من رضي اللَّه قوله وشفاعته ، وعلى هذا فإنّ الجملتين تؤكّد إحداهما الأخرى .
والثاني : إنّ المقصود هو المشفوع له من الذين رضي اللَّه قولهم ، وبعبارة أخرى هو الذي كان عمله وكلامه ومعتقده صالحاً وصار موضعاً لرضى اللَّه لكي يُشفع له ، ولكن بما الجملة الأولى تقصد الشفعاء ، فمن الأنسب أن تكون الجملة الثانية إشارة إلى ذلك أيضاً ، لتكون عودة الضمائر على وتيرة واحدة .
وعلى جميع الأحوال تشكّل الآية دليلًا واضحاً على وجود الشفاعة بإذن اللَّه ، لفريق من المؤمنين .
نفحات القرآن — صفحة 378
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٣٧٨