فقالت : « رَبَّنَا انَّكَ مَنْ تُدخِلِ النَّارَ فَقَد اخْزَيتَهُ وَمَا لِلظَّالمِينَ مِنْ انصَارٍ » .
« أخزيته » : مأخوذة من ( الخزي ) ولها معانٍ عديدة في كتب اللغة مثل : سوء الحال ، والابتعاد ، والذلّة ، والافتضاح ، والاستهانة ، ونفس هذه المعاني وردت في كلام المفسّرين أيضاً « 1 » .
ويتضّح من سياق الآية أنّ العقوبات النفسية يوم القيامة أكثر إيلاماً ، لأنّ اولي الألباب يطلبون من اللَّه عزّ وجلّ أن لا يدخلهم النّار ويقولون : إنّك من أدخلته النّار فقد أخزيته إشارة إلى أنّ الشيء الأسوء من النّار هو ذلك الخزي ، تماماً مثل بعض الأشخاص الذين لا يأبهون كثيراً لدخولهم السجن ولكنهم يحرصون كثيراً على عدم انتشار هذا الخبر ، لأنّ انتشاره يؤدّي إلى فضيحتهم في المجتمع وهو ما يعتبرونه أشدَّ إيذاءً وإيلاماً من السجن ذاته .
أمّا جملة : « وَمَا لِلظَّالمِينَ مِنْ انصَارٍ » ، فهي إشارة إلى هذه الحقيقة وهي أنَّ كل ما يجري عليهم اليوم إنّما جاء نتيجة لظلمهم ، فمن الطبيعي أن يفتضحوا هناك ويُذلّوا ولا يجدون ناصراً ولا معيناً ، ( هذا التعبير لا يتنافى طبعاً مع قضّية الشفاعة لمن يستحقّها ، لأنّ المقصود هنا نفي الناصر الذي يعين الظالمين بقدرته ونفوذه ، لا عن طريق الاستعانة بالقدرة الرّبانية ) .
وتطرّقت الآية الثالثة إلى موضوع الغم والحزن الذي يعاني منه أصحاب جهنّم وهو ما يعكس آلامهم النفسية ، وقالت : « كُلَّمَا ارَادُوا انْ يَخْرُجُوا مِنهَا مِن غَمٍّ اعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ » .
قال الكثير من المفسّرين إنّهم كلما أرادوا الخروج من هذا الغم والتحرر منه واللجوء إلى أطراف جهنّم ، يقوم خزنتها بإرجاعهم بالهراوات أو المقامع النّاريّة ، لأنّ الآية السابقة قد
هامش
( 1 ) . مقاييس اللغة ؛ مصباح اللغة ؛ صحاح اللغة ؛ لسان العرب ؛ والتحقيق في كلمات القرآن الحكيم ؛ وجاء في تفسير مجمع البيان معنيان آخران لكلمة الخزي وهما : الهلاك ، والوقوف في موقف الفضيحة والذل .