أي : إنّ اللَّه سيجزي المؤمنين في يوم القيامة لقيامهم بالعدل والقسط الذي يقتضيه الإيمان « 1 » .
لكن المفسّر هذا لم ينتبه إلى هذه الحقيقة وهي كون ( العمل الصالح ) يتماشى مع أُسس العدالة ، ولا تحتاج إلى قيدٍ أو شرط ، إلّاأن يكون ذا حالة تأكيديّة ، ونحن نعلم بأنّ حمل الكلام على التأكيد خلاف الظاهر ويحتاج إلى قرينة .
وأشارت الآية العاشرة إلى نفس هذا المعنى مع وجود هذا التفاوت ، وهو بَيانها القسط والعدل كصفتين لموازين الأعمال ، ونحن نعلم بأنّ مُقيم هذه الموازين هو اللَّه العادل ، إذن لابدّ من التسليم بأنّها من صفات ذاته المقدّسة .
والتفاوت الآخر في هذه الآية عن الآية السابقة هو كون مفهوم هذه الآية عامّاً ، ويشمل كلًا من المؤمن والكافر ، لأنّ ( ميزان القسط ) لا يزن إلّاقِسْطاً وعدلًا ، ولا يظلمُ أحداً . قال تعالى : « وَنَضَعُ المَوَازِينَ القِسطَ لِيَومِ القِيَامَةِ فَلَا تُظلَمُ نَفسٌ شَيئاً » .
والظريف هو وصفه تعالى هذه الموازين ( بالقسط ) - ( العدل بالمعنى المصدري ) - وقوله :
إنّ هذه الموازين عين العدل ، ممّا يعكس نهاية التأكيد كقولنا : ( زيدٌ عدلٌ ) ، أي أنّه عين العدل ، فعليه لا حاجة في هذه الآية إلى التقدير .
وسيأتي هذا المطلب في المجلد الخامس من هذا التفسير في بحوث المعاد إن شاء اللَّه ، وهو كون المقصود من ( الميزان ) هنا شيئاً مماثلًا للموازين الماديّة ليصير مجالًا لطرح هذا الإشكال ، وهو كون أعمال الإنسان ليست ذات وزنٍ يُذكَرُ ، فكيف يمكن وزنها بهذه الموازين ؟ فنضطر إلى القول كما قال الفخر الرازي : إنّ المقصود منها وزن كتب الأعمال !
أو الحسنات تتجسّم بشكل جواهر بيضاء نورانية ! والسيئات تتجسّم بشكل جواهر سوداء ظلمانية ! « 2 »
هامش
( 1 ) تفسير المنار ، ج 11 ، ص 299 .
( 2 ) تفسير الكبير ، ج 22 ، ص 176 .