فوصفت الآية الأولى اللَّه سبحانه ب « خَيرُ الرَّاحِمِينَ » ، لأنّ رحمته لا متناهية وتشمل المحب والمبغض ، الصالح والطالح ، فرحمته العامّة شملت الجميع ، ورحمته الخاصّة خصّ بها عباده المؤمنين ، وهو على أيّة حال لا يريد منهم أي جزاءٍ أو ردٍ للجميل .
وقد وُصِفَ الباري في الآية الثانية بصفة « خَيرُ الحَاكِمِينَ » ، لأنّ ما يحكم به الآخرون مقرون بأنواع الأخطاء والانحرافات الناتجة عن الميول الشخصيّة والطائفيّة ، أو الأهواء المادية ، لكنّ حُكمه جلّ وعلا منزّهٌ عن أي خطأ وأي إفراطٍ وتفريط ، وأي ميلٍ إلى الباطل ، لأنّ علمه غير محدود وهو غنيٌّ عن العالمين .
وقد ذُكِرَ في الآية الثالثة باسم « خَيرُ الفَاصِلِينَ » ، لأنّ الناس لو أرادوا أن يميّزوا الحق من الباطل فإمّا أن يقعوا في الكثير من الإشتباهات ولا يميّزوا بينهما بصورة صحيحة ، وإمّا أنْ يلتبس عليهم التمييز بين الحق والباطل بسبب جهلهم ، أو يخلطوا بينهما بسبب تحكيم أهوائهم النفسانيّة .
أمّا الذي يعلم السرّ وما تخفي الصدور ، وأحاط بكل شيءٍ علماً فلا معنى عنده سبحانه لكل هذه الأمور ، فهو خير الفاصلين .
علاوةً على هذا فقد يشخّص الإنسان الحق من الباطل بصورة جيّدة لكنّه عاجزٌ عن إعمال علمه ومعرفته ، ولكن اللَّه تعالى هو القادر الأزلي الوحيد الذي يستطيع إعمال علمه في كُلّ حال .
نفحات القرآن — صفحة 281
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢٨١