الجاهلية ) تحرفهم عن الحقّ رغم تجذّره في أعماق فطرتهم .
في حين جاء التعبير في موضع آخر ب « فَأَنّى تُسحَرُونَ » بصيغة المبني للمجهول ، وهي عبارة تطلق على من يتّبع أمراً دون إرادة .
ويوجد احتمال آخر في تفسير هذه الآيات وهو أنَّهم كانوا يقولون بأنَّ رسول الإسلام صلى الله عليه وآله يريد أنْ يحرفنا عن طريق الحقّ أو أنّه ساحر قد سحرنا ، فردّ عليهم القرآن : مع أنّكم تُقرّون بأنَّ اللَّه هو خالق السماء والأرض والشمس والقمر والبشر ، وهو المدبّر لهذا الكون فكيف يحرفكم أو يسحركم من يدعوكم إلى عبادته ونبذ عبادة غيره ؟ أي عقل يحكم بهذا ؟ !
إنّ الكثير من المفسّرين ومنهم ( الطبرسي في مجمع البيان والعلّامة الطباطبائي في الميزان والفخر الرازي في التفسير الكبير والآلوسي في روح المعاني والقرطبي في تفسيره ) اختاروا التفسير الأوّل ولو أنّ التفسير الثاني غير بعيد عن مفهوم الآية .
عهد عالم الذرّ :
الآية العاشرة والأخيرة في هذا البحث تذكر تعبيراً آخر بصياغة جديدة حول التوحيد الفطري ولا نظير لها في الآيات القرآنية الأخرى ، وبسبب المحتوى المعقّد لهذه الآية دارت حولها أحاديث مطوّلة بين العلماء والمفسّرين والمتكلّمين وأرباب الحديث ، نورد - بصورة إجمالية - آراءهم المختلفة ثمّ رأينا المختار بعد الفراغ من تفسيرها .
تقول الآية الكريمة : « وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنى آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيتَهم وَأَشْهَدَهُم عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِربِّكُمْ » فقالوا جميعاً : « بَلى شَهِدنَا » وتُضيفُ الآية بأنَّ اللَّه تعالى فعل ذلك لئلّا يقولوا يوم القيامة إنّا غفلنا عن هذا الأمر ( وهو التوحيد ومعرفة اللَّه ) : « أَنْ تَقُولوا يَومَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ » أو تتشبّثوا بحجّة ( التقليد ) بدلًا عن حجّة ( الغفلة ) وتقولوا :
« إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبلُ وَكُنَّا ذُرِّيَةً مِّنْ بَعْدِهِمْ أَفتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَل المُبطِلُونَ » .
( الأعراف / 173 )