آلهتهم من الحجر والخشب والمعادن وهي موجودات أرضية ، فهل بإمكان هذه الموجودات أن تكون خالقة للسماوات الواسعة وأن تكون الحاكمة والمدبّرة والمديره لها ؟ !
ثمّ تضيف الآية في مقام الاستدلال على بطلان عقيدتهم : « لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا » .
« فساد » : يعني في الأصل - كما يقول الراغب في المفردات : خروج الشيء عن حدّ الإعتدال كثيراً أم قليلًا ، في الروح أو الجسم أو الأشياء الأخرى في العالم ، ويقابله ( الصلاح ) .
و ( الفساد ) هنا يعني الدمار والخراب واللانظام والهرج والمرج . . . .
وتضيف الآية في آخرها - كاستنتاج : « فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ » .
وخلاصة الاستدلال هي : لو تعدّد المدير والمدبّر والخالق والحاكم والمتصرّف في هذا العالم فإنّ العالم لا يمكن أن يتّسم بالنظام والتناسق ، وذلك لانتهاء التعدّد في الآلهة إلى تعدّد التدبير والتصرّف ، وبذلك يختلّ عالم الوجود ويتعرّض للفساد والدمار حيث يريد كلّ واحد منهما تطبيق نظام العالم على مشيئته وإرادته .
وهنا يرد هذا الإشكال المعروف وهو : ما المانع من تعاضد الآلهة الحكمية فيما بينها لإيجاد نظام واحد منسجم ؟ والإجابة على ذلك ستأتي في الإيضاحات بإذن اللَّه .
الآية الثالثة والأخيرة التي نبحثها تقدّم هذا البرهان في إطار جديد حيث تقول : « مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ » .
ولو كان كذلك فإنّ كلّ إله ينفرد بمخلوقاته الخاصّة ويفرض عليها تدبيره وتصرّفه الخاصّ ، وسوف تكون الأنظمة المختلفة والقوانين اللامنسجمة هي الحاكمة على العالم ، وسيكون هو السبب في وانهيار الوحدة والتعادل في العالم : « إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِمَا خَلَقَ » .
ويكفي هذا الدليل على إثبات وحدانيته تعالى حيث يتألّف من المقدّمتين المشار إليهما سالفاً وهما : إنَّ عالم الوجود منظم ومترابط الأجزاء وتحكمه قوانين معيّنة ( هذا من جهة )
نفحات القرآن — صفحة 137
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٣٧