إلى مصاديقها في عالم الوجود التي اعتمد عليها القرآن الكريم .
واللطيف أنّ آيات القرآن لا تتحدث مطلقاً عن كبرى برهان النظام ، أي « علاقة النظام والعلم » ، لأنّها كانت واضحة ووجدانية إلى حد أنّه لم تكن ثمة حاجة لبيانها ، وكما قلنا فإنّ الإنسان إذا أنكر هذه العلاقة يجب عليه إنكار الكثير من الحقائق الموجودة في حياته ، وما من شك في أن منكري هذه العلاقة يشبهون ب « السفسطائيين » الذين ينكرون الحقائق أثناء حديثهم ، ولكنهم في حياتهم اليومية يقبلون جميع الحقائق مثل الآخرين ، فمثلًا لو تمرضوا يراجعون الطبيب ويستعملون الدواء وينفذون إرشادات الطبيب حرفاً بحرف ، أي أنّهم يعترفون رسمياً بوجود « الطبيب » و « الدواء » و « علم الطب » و « الصيدلة » ومئات الأمور الأخرى الدائرة في هذا الفلك .
إنّ منكري « علاقة النظام والعلم » أيضاً بدورهم يستنتجون علمياً وعملياً من أي أثر علمي وصناعي وأدبي وفني ، وجود مُبدىء واع وذي ذوق وفن ، ولا يعتمدون أبداً على الاحتمالات المجنونة .
الآن وقد اتّضحت علاقة النظام والعلم تماماً ، وثبتت كبرى البرهان حسب الاصطلاح المنطقي ، نعرج على مصاديقها في القرآن الكريم والتي اعتمد عليها .
ونعتقد أن من الضروري ذكر هذه النقطة وهي : أنّ الفلاسفة الماديين الذين حاربوا برهان النظم ( انكار وجود النظام في العالم أو إنكار علاقة النظام والعلم ) وعلى رأسهم « دافيد هيوم » لم يتحفونا بسوى مجموعة من الوساوس التي لا قيمة لها ، الوساوس التي لم يكونوا يقبلونها في حياتهم أبداً .
نفحات القرآن — صفحة 44
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٤٤