تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
والتي تزول تماماً بفناء الجسم ، والحال أنّ للروح والفكر الآدمي ظواهر لا يمكن تفسيرها بالتفاسير المادية أبداً . فمثلًا يجد كل شخص حقيقة في داخله تسمى « الأنا » ، وهي واحدة ليست أكثر منذ بداية العمر حتى نهايته ، « أنا » منذ الطفولة وحتى الآن شخص واحد لم أزدد ولم أتغير ، وسأبقى أنا ذلك الشخص إلى آخر العمر ، بالطبع درست وتعلمت القراءة والكتابة ولهذا فقد حصلت وعلى نسبة من التكامل ، لكنني لم أتحول إلى إنسانٍ آخر ، بل ما أزال ذلك الشخص السابق . في حين إذا أخذنا الأجزاء المادية للجسم نرى أن جميع تلك الذرات في حال تغيّر وتبدل ، وأنّ جميع خلايا الجسم تتغيّر كل سبعة أعوام مرّة واحدة تقريباً ، أي أنّ الشخص البالغ من العمر سبعين سنة أصابه تبدل في أجزاء جسمه المادية عشرة مرات ، رغم أنّ « الأنا » ( شخصيته الإنسانية ) ثابتة لم تتغير ، وهذا يدل على أن حقيقة « الأنا » حقيقة ما وراء المادة ولا تتغير بتغيرات المادة . فضلًا عن أنَّ في أذهاننا حقائق مخزونة تكون أكبر من مخنا وخلايانا المخية آلاف الآلاف من المرات ، تصور السماوات والمجرّات ، الشمس والقمر وغيرها ، فَمن المستحيل أن تكمن هذه الصور الكبيرة في الجزء المادي من وجودنا ، ولا سبيل إلّاأن تنعكس في الجزء غير المادي أي الروح ، لأنّ الجزء المادي أي المخ ليس إلّاموجود صغير . وعلاوة على هذا فإنّ الظواهر المادية تقبل التجزئة والقسمة جميعاً في حين توجد بين مفاهيمنا الذهنية مفاهيم لا تقبل التجزئة إطلاقاً . إنّ خصوصية « تصوير الواقع » والاطلاع على العلم الخارجي بالنسبة لنا ، والموجودة في علومنا ومعارفنا ، هي حقيقة لا يمكن تبريرها عن طريق الخواص « الفيزو كيميائية » للمخ . وهذه البراهين الأربعة وبراهين واضحة أخرى تدل بجلاء على أنّ الروح جوهر مستقل ومجرّد من المادة « 1 » .
هامش
( 1 ) من أجل مزيد من الشروح راجع ، ذيل الآية 85 من سورة الإسراء من « التفسير الأمثل » .
نفحات القرآن — صفحة 100 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي