يقولون : « وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُون » ، نعم لعنهم اللَّه بكفرهم ، وأبعدهم عن رحمته ، وأنّ أشخاصاً كاليهود كيف يمكنهم أن يذوقوا حلاوة الحقيقة .
قد يكون التعبير ب « الغلاف » يختلف عن التعبير ب « الأكنة » ، وذلك لأنّ الغلاف يستر المغلَّف ويغطيه من جميع الجهات ، بينما يغطي الستار جهة واحدة من المستور ، وبتعبير آخر : تارة تصيب الموانع مصدراً واحداً من مصادر المعرفة كالفطرة لوحدها أو العقل لوحده ، وتارة أخرى تعطل جميع المصادر وتجعلها في غلاف يحول دون المعرفة .
نعم ، كلما تلوّث الإنسان بالذنوب والفساد أكثر ابتعد قلبه وروحه من المعرفة وحُرِم منها أكثر .
جج
وتحدثت الآية الثامنة والتاسعة عن الطبع على القلوب الذي يحول دون المعرفة ، وقد اعتبرت الآية الثامنة الطبع سبباً لعدم السمع « فَهُمْ لَايَسْمَعُونَ » ، واعتبرت الآية التاسعة الطبع سبباً لعدم الفقه والفهم « فَهُمْ لَايَفْقَهُونَ » ، والمراد في الموردين واحد ، فكما قلنا : إنّ المراد من عدم السمع هو عدم الإدراك والوعي والفهم .
وهذه المرحلة أشدّ من المراحل السابقة ، فالمرحلة الأولى هي جعل الأكنة على القلوب ، ثم الغلاف عليها ، وفي النهاية يطبع عليها للحيلولة دون نفوذ أي شيء فيها ، كما ذكرنا ذلك في بحث شرح المفردات .
طبعاً : إنّ ابتلاءهم بهذا المصير ليس اعتباطياً ، بل لأسباب أشارت إليها الآية السابقة حيث قالت : « وَاذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنوُا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ الْقَاعِدِينَ * رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِم فَهُمْ لَايَفْقَهُونَ » . ( التّوبه / 86 - 87 )
إذن إعراضهم عن الجهاد وتخلفهم عنه هو السبب في الطبع على القلوب .
نفحات القرآن — صفحة 238
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢٣٨