ومع الأخذ بنظر الاعتبار إلى أنّ الإنسان لا يمكنه رؤية هذه الحقائق بعينه الظاهرية واستدلالاته العقلية ، ندرك أنّ اللَّه أراه هذه الحقائق عن طريق الشهود الباطني وإزالة الحجب التي تحول دون مشاهدة الإنسان الحقائق الغيبية .
وقد ذكر الفخر الرازي احتمالين في تفسيره ل « الإرائة » ، أحدهما : « أنّها حسية ، والثاني :
أنّها إرائة عن طريق الاستدلال العقلي ، ثم اختار الاحتمال الثاني ، وذكر تسعة أدلة عليه » « 1 » .
لكن - كما قلنا سابقاً - فالإنسان عاجز عن الإحاطة الكاملة بأسرار سلطان اللَّه على العالم سواء كان عن طريق الحس أو عن طريق العقل ، وتحتاج الإحاطة هذه إلى طريق إدراك آخر ، وهو الشهود الباطني ، ولهذا السبب يذكر صاحب تفسير « في ظلال القرآن » :
« أنّ المراد من الآية إخبار إبراهيم عن أسرار الخلق الخفية ورفع الحجاب عن آيات كتاب الخلق التي نشرت كي يصل إبراهيم إلى درجة اليقين الكامل » « 2 » .
وبتعبير آخر : إنّ إبراهيم اجتاز مراحل التوحيد الفطري والاستدلالي - في البداية - من خلال مشاهدته لطلوع الشمسُ وغروبها وطلوع النجوم وأفولها ، وجاهد المشركين واجتاز درجات التوحيد في ظل هذا الجهاد العظيم ، الواحدة تلو الأخرى ، إلى أن بلغ مرحلة كشف اللَّه له فيها الحقائق ، وهي مرحلة الشهود الباطني .
وهناك حديث للإمام الصادق عليه السلام في هذا المجال يشير فيه إلى هذا المعنى حيث يقول :
« كُشِط لإبراهيم السماوات السبع حتى نظر ما فوق العرش ، وكشط له الأرضون السبع ، وفُعِل لمحمد صلى الله عليه وآله مثل ذلك . . . » « والأئمّة من بعده قد فُعل بهم مثل ذلك » « 3 » .
وقد ذكر صاحب البرهان الكثير من الأحاديث في تفسيره ، كلها تكشف أنّ الإدراك هذا ليس هو نفس الإدراك العقلي أو الحسي ، بل - وكما صرح صاحب الميزان وأشرنا إليه سابقاً - إنّ الملكوت هي مجموعة الأمور التي لها ارتباط بالذات المقدّسة الإلهيّة من حيث
هامش
( 1 ) . التفسير الكبير ، ج 13 ، ص 43 .
( 2 ) . في ظلال القرآن ، ج 39 ، ص 291 .
( 3 ) . تفسير البرهان ، ج 1 ، ص 531 ، ح 2 ( ومضمون الحديث الثالث والرابع قريب من مضمون هذا الحديث ) .