والجملة في غاية الفصاحة والبلاغة ، فهو استعارة عن وعده الجميل وجزائه العظيم بذكر القرض الذي يقضى بمثله ، وإنّما ذكره عزّ وجلّ في المقام وأخذ عليه الميثاق لأهمّيّته في ترويض النفوس وشدّ الأزر والتعاون بين أفراد المجتمع وسدّ الحاجة ، ولأنّهم عرفوا بالشحّ والبخل فأراد سبحانه وتعالى تطهيرهم منهما ، فإنّ الشحّ رذيلة مهلكة .
قوله تعالى :
لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ
.
التكفير هو الستر والتغطية ، وتقدّم ما يتعلّق باشتقاق هذه المادة ، والجملة جواب للقسم ، أي : إن وفيتم بالعهد والميثاق ، بالعمل بتلك الحسنات الخمس ، لأسترن عليكم سيئاتكم بمحوها ورفع آثارها من نفوسكم فتطهر بتلك الحسنات ، فإنّها تذهب السيئات كما اقتضت سنّته عزّ وجلّ .
قوله تعالى :
وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
.
ترتّب هذا على سابقه من قبيل ترتّب المعلول على العلّة التامّة ، فإنّ العلّة في الدخول في جنّات تكون في غاية البهاء والنضرة والجمال ، إنّما يكون بتطهير النفوس من الذنوب وستر العيوب ، ضرورة تقدّم التخلية على التحلية ، فلا يدخلها إلّا من هو طاهر النفس .
قوله تعالى :
فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ
.
بعد بيان الوعد الجميل وما يوجب نيل الجزاء العظيم ، ذكر تعالى حكم من كفر بما هو داخل في حيّز الشرط المزبور المستلزم للكفر باللّه تعالى أيضا ، تقوية للترغيب والترهيب ، فتكون الفاء للترتيب ، والمراد بقوله تعالى :
بَعْدَ ذلِكَ
، أي :
بعد أخذ العهد والميثاق على العمل بما شرطه ووعده عزّ وجلّ ، وجيء به لبيان أنّ الكفر منهم إنّما يكون عن عناد ولجاج ، وبعد تماميّة الحجّة عليهم .
ولعلّ تغيير الخطاب في الموردين حيث لم يقل : ( وإن كفرتم ) ، لإسقاط من كفر عن رتبة الخطاب ، أو لإسقاط احتمال كفر الجميع عن حيز الاحتمال .