تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 305

مساهمون:

ص٣٠٥

الخامس

: يدلّ قوله تعالى :
وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ
، على أنّ ولاية أعداء اللّه تعالى ظلم عظيم يوجب دخول المتولّي في زمرة الكافرين ، لأنّ المحبّة والمودّة تجمع المتفرّقات وتوحّد النفوس المختلفة ، وتؤثّر على الأحاسيس والإدراكات ، فتتأثّر الأخلاق وتتشابه الأفعال ، فيحذوا المتولّي حذو من تولاه في شؤون الحياة ومستوى العشرة ، ولذا أوجبت الولاية البعد عن اللّه تعالى ، والمتولّي لا يكون منه من شيء ، فكلّما اشتدّت المحبّة والمودّة لأعداء اللّه ، كلّما ابتعد عن اللّه تعالى واقترب منهم حتّى يصير واحدا منهم ويلتحق بهم ، ولذا قيل : من أحبّ قوما فهو منهم .

السادس

: يستفاد من سياق الآية الشريفة أنّ الولاية المنهيّة التي توجب لحوق قوم بقوم وكونهم منهم ، هي ولاية المحبّة والمودّة ، دون ولاية الحلف التي تنعقد لمصالح خاصّة ، وقد عقدها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله مع المشركين والكافرين في ظروف خاصّة . ويدلّ على ذلك ما ورد نظيرها عنه تعالى ناهيا عن ولاية المشركين :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ
- إلى أن قال عزّ وجلّ : -
وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
[ سورة الممتحنة ، الآية : 1 - 9 ] ، فإنّ الولايتين من باب واحد ، فتكون الولاية التي تقتضي لحوق من تولّى بمن تولاه هي ولاية المحبّة ، وهذا ما يقتضيه الاعتبار أيضا ، فإنّ التولّي والتودّد لا يكون إلّا بين اثنين بينهما السنخيّة التي تقتضي الدخول في الأسناخ والأشباه . وقد تقدّم ما يتعلّق بذلك في التفسير فراجع .

السابع

: يدلّ قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
، على أنّ تولّي الكافر ظلم ، لأنّه تعريض النفس للعذاب وابعاد لها عن مواضع الرحمة وقطع لمسيرة الكمال الذي ينشده الإنسان في الحياة الدنيا ، واللّه لا يهدي من كان ظالما ومانعا عن سبل الهداية والكمال ، بل يخلّيه وشأنه ويكله إلى نفسه ، وهو ممّا تعوّذ منه الأنبياء والرسل ، فإنّه فيه هدم للكيان الإنسانيّ خلقيّا وعقائديّا .
مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 305 | السيد عبد الأعلى السبزواري