تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
وكيف كان ، فإنّ في تقديم ( بينهم ) الاعتناء بتعميم الحكم ، كما أنّ في وضع الموصول موضع الضمير ، التنبيه على علّية ما في حيز الصلة للحكم ، والترهيب عن المخالفة . قوله تعالى :
وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ
. أي : بعد وضوح الحقّ فلا تتبّع أهواء الكافرين والمعاندين الزائفة بالإعراض والعدول عمّا جاءك من الحقّ الذي لا مرية فيه ، ولا يجوز العدول عنه ، وذكر الحقّ للتأكيد على أنّ ما سواه باطل ، وللدلالة على كمال الاجتناب عن اتّباع الأهواء ، ونهي المعصوم عليه السّلام عن اتّباع الأهواء إما لأجل تعليم الغير ، أو لأنّ النهي لمن لا يتصوّر منه وقوع المنهي عنه جائز لا إشكال فيه . قوله تعالى :
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً
. بيان لحقيقة من الحقائق الاجتماعيّة . وأساس هذه الحقيقة هو اختلاف استعداد أفراد الإنسان ولياقتهم ، فإنّ اللّه تعالى لم يخلقهم شرعا سواء في القابلية والاستعداد والملكات ، والآية الشريفة بمنزلة التعليل لما ورد قبلها من الأمر والنهي ، وفيها التأكيد على متابعة الرسول صلّى اللّه عليه وآله والانقياد لحكمه بما أنزل اللّه تعالى ، لأنّ السابق وإن كان منهاجا وشريعة ، إلّا أنّ الذي كلّفوا به هو ما جاء به الرسول الأعظم ، فإنّه الحقّ دون غيره ممّا نسخته هذه الشريعة التي هي أكمل الشرائع وأتمّها وأجمعها ، ولا وجه لأخذ الناقص ، ولا سيما أنّ الإنسان لم يبق على واحدة ، فهو في طريق الاستكمال والترقّي . ومادة ( شرع ) تدلّ على السبيل الموصل إلى المطلوب ، ومنه شريعة الماء ، أي : الطريق الموصل إليه ، ومنه أيضا : ما شرعت فيه من شيء فهو شريعة ، ومنه : شرع سواء ، إذا تساوى القوم في أمر ، وقد وردت هذه المادة في القرآن الكريم في ما يقرب من خمسة موارد ، قال تعالى :
ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها
[ سورة الجاثية - 18 ] ، وقال تعالى
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً
[ سورة الشورى ، الآية : 13 ] ، والشرع مصدر ثمّ جعل اسما للطريق النهج فقيل : يشرع وشرع وشريعة ، وتطلق على المادّيات كما عرفت في شريعة الماء ، وفي المعنويّات ،