تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
استحفظوه من كتاب اللّه تعالى . والمراد به التحفّظ العملي عن ظهر القلب ، يقال : حفظ فلان حرمة زيد ، أي : عمل فيه بما هو وظيفة احترامه ، ومنه قولهم : « يحفظ الرجل في ولده » . وإنّما ذكر عزّ وجلّ : « استحفظوا » دون حفظوا أو حملوا ونحو ذلك ، باعتبار أنّهم حفظوها بالعمل بما ورد فيها من الأحكام ، وحفظوها بالتبين ، وحفظوها من التغيير والتبديل ، فكانوا أمناء على التوراة . قوله تعالى :
وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ
. ترتّب هذا على سابقه من قبيل ترتّب المعلول على العلّة التامّة ، فإنّهم لما أمروا بحفظ التوراة فكانوا أمناء اللّه تعالى عليها ، فلا ريب أنّهم شهداء على كتاب اللّه ، بل تعتبر الشهادة من شؤون الحفظ المأمور به . ويمكن أن تكون الآية تأكيدا على ما سبق ، يعني : أنّهم مضافا إلى عملهم بكتاب اللّه تعالى يشهدون أنّ هذا تكليفهم أيضا . وكيف كان ، فإنّ في الكلام تعريضا للذين هادوا في عصر الرسول صلّى اللّه عليه وآله بأنّهم خرجوا عن أهليّة حفظ التوراة والشهادة عليها ، وقد ذكر المفسّرون في الآية وجوها يبطلها السياق . قوله تعالى :
فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ
. تفريع على ما سبق ، أي : لما كانت التوراة منزلة من اللّه تعالى ومشتملة على الهداية والنور ، وشريعة يقضي بها النبيّون والربّانيون والأحبار ، وقد أخذ منهم الميثاق على حفظها ، فاعملوا بها كما عمل السلف ، ولا تكتموا شيئا من أحكامها بأن تحرّفوها أو تعدلوا عنها خشية النّاس وخوفا منهم . وعموم الآية الشريفة يشمل جميع المخاطبين الحكّام وغيرهم من المسلمين وغيرهم ، فلا بدّ أن تكون خشيتهم من اللّه تعالى بالوفاء بعهده وميثاقه والعمل بشرائعه ، لا أن تكون الخشية من الناس ، وقد تقدّم الكلام في مثل هذه الآية في أوّل هذه السورة فراجع . قوله تعالى :
وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا
. أي : ولا تستبدلوا حكما من أحكام اللّه تعالى طمعا بمال أو جاه دنيويّ