تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
وهذا المعنى لا يختصّ به عزّ وجلّ ، بل يجري في إرادة الإنسان أيضا ، وممّا يؤكّد ذلك أنّ الأئمة عليهم السّلام جعلوا الإرادة من صفات الفعل . ومن ذلك يظهر أنّ جعل الإرادة العلم بالنظام الأحسن ليس المراد به أنّ العلم بنفسه هو المؤثّر التامّ لصدور الأشياء ووجودها ، حتّى يلزم المحاذير التي ذكروها في الكتب الفلسفيّة والكلاميّة ، وإن كان القول بذلك صحيحا في الجملة ، بمعنى المنشئيّة والمصدريّة ، كما ذكرنا . وقد ظهر ممّا تقدّم بطلان ما قيل : من أنّ الإرادة لا ترجع إلى العلم ؛ لأنّه يستلزم إمّا إلى إرادة الشرّ والظلم والكفر والقبائح ؛ لأنّه تعالى يعلمها ، أو يلزم أن يكون منشأ التأثير في الممكن الأصلح اعتباريّا محضا ، ولا يرجع إلى نفس العلم لتعلّقه بالمعلومات على حدّ سواء ، أو يرجع إلى نفس الأصلح ، وهو يرجع إلى كون شيء واحد مؤثّرا ومتأثّرا . والكلّ باطل ؛ لأنّ علمه تعالى إن كان علّة تامّة لحصول المعلوم مطلقا يلزم ما ذكر ، ولكنّه ليس كذلك ، بل علمه الأزلي بالأشياء من مجرّد المقتضي ، فالعليّة التامّة تتوقّف على أمور كثيرة أخرى ، فمن يقول إن الإرادة هي العلم بالممكن الأصلح ، لا يريد أنّ العلم لوحده هو السبب لوجوده ، بل العلم مع اختياره عزّ وجلّ ، ويدلّ على ذلك ما رواه الكليني عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : « علم اللّه سابق للمشيئة » ، حيث يستفاد أنّ العلم بوحده لم يكن المؤثّر من دون المشيئة والإرادة . والحاصل : أنّ الإرادة هي الإيجاد عن علم وحكمة ، وهي فعله ، فتكون من صفات الأفعال ، ولا بد من انبعاث صفات الأفعال عن العلم والحكمة . ويمكن رفع الاختلاف من أصله لما تسالموا عليه من أنّ العلل التوليديّة يصحّ انتساب الأثر فيها إلى نفس المعلول وإلى العلّة ، كما في قولك : أحرقته النّار فمات ، أو مات بالنّار ، كما لا فرق بين قولهم عليهم السّلام : « الطهور نور » ، أو : « الوضوء