تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
وكيف كان ، فهو لا يتحقّق إلا بإجراء أحكام الشرع المبين لقصور العقول عن درك كثير من المصالح ، وقد ذكر جلّ شأنه في القرآن الكريم موارد كثيرة من تطبيقات العدل ، وفي السنّة الشريفة ما بيّنه بيانا واضحا شافيا ، ولا بد وأن يكون العدل ظاهرا في جميع خصوصيات الحكم من القول والفعل والخلق والحكم . وإنّما ذكر عزّ وجلّ الحكم بالعدل بعد الأمر بأداء الأمانة لما ذكرناه آنفا ، ولأنّ الاحتياج إلى الحكم بالعدل إنّما يكون بعد تخلّف أداء الأمانة وثبوت الخيانة في الناس ، فيستلزم الرجوع إلى الحاكم الذي لا بد أن يكون أمينا في إجراء الحكم وبسط العدل بين الناس ، ولنا أن نقول : إنّ الرجوع إلى الحكم بالعدل لا يكون في الأمة التي يراعي أفرادها حقوق الآخرين ، وإنّما العدل هو مراعاة الأمانة وأداءها إلى أهلها . قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ
جملة مستأنفة مقرّرة لمضمون ما قبلها ، وإنّما تصدّرت باسم الجلالة للترغيب والترهيب ، و ( نعمّا ) أصله ( نعم ما ) ، والجملة مركبة من المبتدأ ، وهو اسم ( ان ) ، والخبر وهو جملة
نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ
. وهذه الجملة بأسلوبها البديع وسياقها الجذّاب تدلّ على الأهميّة العظيمة البالغة التي أعطاها عزّ وجلّ لأداء الأمانة إلى أهلها والحكم بين الناس بالعدل ، فإنّهما الخير العظيم ، ولذا كانت لائقة أن تجعل خبرا للفظ الجلالة ، كما تدلّ الجملة على مزيد اللطف بالمخاطبين وحسن استدعائهم إلى الامتثال ، بعد ما نبّههم على أنّ ما ورد في الآية المباركة هو من الموعظة الحسنة والخير العظيم في الدارين . قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً
أي : أنّ اللّه تعالى لا يخفى عليه جميع أقوالكم وأفعالكم ونيّاتكم ، وفيه وعد للمطيعين ووعيد للعاصين الذين خالفوا الأحكام الإلهيّة وخانوا الأمانة الربانيّة .