تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
الحال ، فإنّ التوراة قد بشّرت برسالة خاتم الأنبياء صلّى اللّه عليه وآله ، وأنّ القرآن الكريم المنزل عليه مصدّق لها . قوله تعالى :
مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها
مادة ( طمس ) تدلّ على محو أثر الشيء واستئصاله ، وقد وردت هذه المادّة في القرآن الكريم في خمسة مواضع . والدائر والدارس متقاربة المعنى ، ونطمس - بكسر الميم وبالضم لغة - مضارع طمس بفتحها يستعمل قاصرا ، ومتعدّيا كما في الآية الشريفة ، وفي قوله تعالى :
فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ
[ سورة القمر ، الآية : 37 ] ، ويعدّى ب ( على ) كما في قوله تعالى :
رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ
[ سورة يونس ، الآية : 88 ] ، وقوله تعالى :
وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ
[ سورة يس ، الآية : 66 ] وطمس البصر هو محو أثره ، أي : أعميناهم ، قال الشاعر :
من يطمس اللّه عينيه فليس له * نور يبين به شمسا ولا قمرا
والوجوه : جمع الوجه ، وهو ما يستقبل من الشيء ويظهر منه ، وفي الإنسان الجانب الظاهر المقدّم من الرأس الذي يستقبلك منه ، ويستعمل في الأمور الحسيّة ، كما يستعمل في الأمور المعنويّة ، فيقال : وجه الشيء ، أي : حقيقته . والتنوين في الوجوه لتهويل الأمر مع لطف ، حيث إنّ العذاب لا يلحق إلا ببعضهم ، ويحتمل الانطباق على كلّ فرد من القوم ، فلا يأمن أحدهم من هذا العذاب . والأدبار جمع دبر - بضمتين - وهو القفا ، وجملة :
فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها
عطف تفسيري للطمس وبيان له ، فيكون الطمس محمولا على ظاهره ، أي : نمحي أثر الوجه ونجعله كالادبار ، بتغيير الخلقة الأصليّة ، وهو يوجب عدم قيام الإنسان بوظائفه الحيويّة وعدم تحقّق المقاصد التي فطر عليها الإنسان لو كان على غير الصورة التي خلقها اللّه تعالى ، فإنّ الإنسان على خلقته الأصليّة يسعى
مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 252 | السيد عبد الأعلى السبزواري