[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 8 إلى 9 ]
رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ( 8 ) رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ ( 9 )
نداء ملكوتي من قلوب الراسخين في العلم ، يشمل ذروة العرش الأعلى حتى ذرة ما تحت الثرى ، تطرب الممكنات من سماع لفظه ، وتزجر العوالم من خطاب وعظه ، تتدفق منه الرحمة والنور على جميع الأحياء ، بل على من في القبور .
وفي لفظ ( ربنا ) من الاستغاثة والانقطاع في أن يثبتهم على الحقّ ما ليس في غيره ، وغالب دعوات الأنبياء والمنقطعين إليه جلّت عظمته مبدوءة به ، لأنه من أنين المربوب الضعيف إلى الربّ الخبير اللطيف ، ودعاء المسكين الفقير إلى الغني المطلق الخبير .
ولا بد وأن يكون هذا الدعاء مقول قول الراسخين في العلم ، الذين ملئت قلوبهم بالإيمان باللّه جلّ شأنه ، والذين يرون كمال استغنائهم في كمال الفقر إليه تبارك وتعالى ، كما
عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه وآله في قوله : « اللهم أغنني بالافتقار إليك ، ولا تفقرني بالاستغناء عنك » .
وفي ابتهالهم إلى اللّه تعالى بأن يثبتهم على الحقّ ، وأن يفيض عليهم رحمته ، لا سيما في يوم الجمع الذي لا ريب فيه دلالة بأن الغاية القصوى ذلك اليوم ، وأن العوالم كلّها في طريق السير إلى ذلك الموعد الذي لا يخلفه اللّه تعالى لجمعهم وفصلهم ، ولا يمكن أن يتخلّف ذلك الغرض أنه الهدف من السير الاستكمالي للإنسان . وكيف يمكن أن يهمل ذلك مع أن الربوبيّة العظمى تقتضي الوفاء بالوعد ، وإلا يلزم الخلف .