تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
وفي الآية المباركة كمال الترغيب إلى الآخرة ، وتحقير الدنيا والتقليل من شأنها . قوله تعالى :
قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ
. تفصيل لما أجمل سابقا ، وبيان لقوله تعالى :
وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ
، فقد أمر سبحانه وتعالى نبيّه ببشارة المتّقين ، بأن لهم عند اللّه تعالى ما هو أعظم من هذه المشتهيات الزائلة المحدودة ، التي لا تبقى ولا تدوم ، وهو الخير للإنسان ، فلا خير في ما سواه ، وهو وإن كان مشابها لما في هذه الدنيا ومجانسا للشهوات الإنسانية ، ولكنها أجل النعم وأعظمها ، وهو خال عن النقص وبريء عن القبح والشرور ، وقد ذكر سبحانه ذلك في كلام بليغ تتوجّه إليه النفوس وتهتزّ من فرح اللقاء الأرواح والقلوب . وفيه جذبة ربوبيّة من الملكوت الأعلى للمتّقين المسجونين في سجن الدنيا ، وقد وعدهم الجنّة ومطهرات الأزواج والرضوان . ومن إطلاق الخير يستفاد أنه خير في ذاته ومن جميع شؤونه وجهاته . وإنما أتى سبحانه بالكلام على صورة الاستفهام ، لتوجيه النفوس إلى الجواب وتشويقهم إلى العمل ، وهو أسلوب فصيح يؤثّر في النفس ويستفزّها على إصغاء الجواب . قوله تعالى :
لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ
. جملة ( للذين اتقوا ) خبر مقدّم ، وجملة : ( جنات تجري ) مبتدأ مؤخّر . والتقوى هي إتيان الواجبات الشرعية واجتناب المحرمات الإلهيّة ، وهي المراد بالعمل الصالح الذي كثر الاهتمام به في القرآن الكريم ، كما أنها الورع الذي حثّت عليه السنّة المقدّسة بألسنة شتّى ، فقد ورد : « أن من اجتنب محارم اللّه فهو من أورع الناس » ، وهي أساس الكمالات وقرّة عين الأنبياء والمرسلين ، وهي السبب المتّصل بين أهل الأرض والسماء ، وبها ينتظم نظام الدنيا والعقبى . ولفظ الجنّات يدلّ على كثرة الأشجار واستتار الأرض بها وتعدّدها