تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 310

مساهمون:

ص٣١٠
يقل : وأنا أحيي وأميت أيضا - اعتقادا لنفسه الربوبية فادعى لنفسه ما وصف به إبراهيم ( عليه السلام ) ربه ، وصرف الكلام عن وجهه إما عنادا ولجاجا ومكابرة أو أنّه بلغ في الانحطاط الفكري إلى المستوى الذي لا يميّز بين الحياة الحقيقية والموت كذلك وبين الإحياء والإماتة بالمعنى الذي أراده كما ذكرنا آنفا . قوله تعالى :
قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ
. مقتضى السياق أنّ إبراهيم ( عليه السلام ) لما أيس من هدايته وسد باب المصادرة ، كما فعل نمرود في الحجة الأولى وإثبات الربوبية لنفسه ذكر ( عليه السلام ) : أنّك إذا تعتقد الربوبية وتصنع كما يصنع ربّي اللّه الذي له الألوهية والربوبية العظمى على ما سواه فإنّه تعالى يأتي بالشمس من المشرق فتصرّف أنت فيه فائت بالشمس من المغرب . وإنّما عدل ( عليه السلام ) عن الرّب إلى اسم الجلالة هنا لأنّ الربوبية قد صارت واضحة بإقامة الحجة عليها في المرة الأولى فالتفت الخليل ( عليه السلام ) إلى أنّه تعالى معبود الكلّ كما أنّه ربّ الكل . ولعلّ ذكر إبراهيم ( عليه السلام ) الشمس لأنّها كانت من أعظم المعبودات عندهم فأراد ( عليه السلام ) أنّ هذا النيّر العظيم الذي تقدّسونه وتحترمونه احترام الآلهة مسخر تحت إرادة اللّه تعالى . ومما ذكرنا يظهر الوجه في تفريع هذه الحجة على الحجة الأولى . قوله تعالى :
فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ
. البهت : هو انقطاع الحجة وعدم القدرة على إقامتها فينقطع اللجاج والمحاجة لا محالة أي : فسكت نمرود الكافر باللّه تعالى متحيّرا مدهوشا لا يقدر على الرد . ولم يصرّح سبحانه باسمه تحقيرا ، ويمكن أن يراد به كلّ من كفر سواء كان نمرود أو من حضر في مجلسه .