تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
والتعبير بالزلة وهي ما يصدر من غير عمد والتفات ، للإعلام بأنّ التعمد في التقصير بعد تمامية الحجة مفروض العدم . وفيها كناية عن أنّه لا ينبغي أن يصدر من العاقل ذلك ، والكناية أبلغ من التّصريح في المحاورات . ولم يذكر عزّ وجلّ العقاب مع الزلة لأنّها كالعثرة تكون بلا قصد ، فلا وجه لثبوت العقاب في ما لا قصد فيه ولا اختيار ، نعم ، توعدهم على ذلك . قوله تعالى :
فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
. العزيز : القدير الذي لا يغلب وهو من أسمائه الحسنى ، وقد اطلق عليه تعالى في القرآن الكريم فيما يقرب من ثمانين موردا مع تعقبه غالبا بالحكيم أو الرّحيم أو العليم أو الحميد أو الكريم وغيرها . ولعل وجه اتباعه بهذه الأسماء الحسنى المقدّسة أنّه يطلق مجرّدا على غيره تعالى كقوله سبحانه : حكاية عن بني يعقوب
يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ
[ يوسف - 90 ] ، وقال تعالى حكاية عن أخوة يوسف :
قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
[ يوسف - 80 ] ، وقد استعمل في غيره تعالى موصوفا أيضا ، كقوله عز وجل :
ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ
[ الدخان - 49 ] ، لكنّه للتهكم . والحكيم هو الذي يفعل بمقتضى الحكمة . والمعنى : فإن زللتم عن السّلم واتبعتم خطوات الشيطان فاعلموا أنّ اللّه تعالى مقتدر غير مغلوب في إنفاذ أمره يفعل فيكم بمقتضى حكمته المتعالية بلا إلجاء . وفي إتيان حكمته المطلقة المتعالية مع قدرته وعزته للإعلام بأنّ قدرته عزّته مقهورتان تحت حكمته التامة التي هي تنظيم الأشياء على وفق النظام الأحسن الرباني ، وليست هي مرسلة من كلّ جهة حتّى ولو حصل محذور في البين .