تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠
بذلك . والمعنى : أنّ في القصاص المذكور الحياة للفرد والمجتمع ، أما بالنسبة إلى المجتمع فإنّه أحسن رادع عن الإقدام على قتل النفوس ، إنّ فيه حفظ النّاس عن اعتداء بعضهم على بعض ، وأما بالنسبة إلى الفرد فإنّ فيه حفظ من يريد الجناية فإذا علم بالقصاص يرتدع عنه ، وبذلك يحفظ نفسه ومن أراد قتله ولو فعله كان ذلك عبرة لغيره ممن يريد الإقدام على ذلك ، ففي القصاص حياة الناس والأفراد بل فيه تسلية لولي المقتول حيث يخفف عنه لوعة المصاب ، فكانت الغاية من القصاص وما يجتنى من عواقبه حميدة يعرفها كل من أعطي حق التأمل في هذا الحكم . قوله تعالى :
يا أُولِي الْأَلْبابِ
. الألباب جمع اللب ، وهو العقل الخالص عن الشوائب ، لأنّ لب الشيء خالصه وصفوته ، ولذا جعل اللّه تعالى أولي الألباب . مورد خطابه وعنايته في جملة كثيرة من الآيات القرآنية ، لأنّ ذا اللب هو الذي يعرف حقائق الأشياء وموازينها ، وآثارها وما يترتب عليها . قال تعالى :
وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ
[ سورة البقرة ، الآية : 197 ] ، وقال تعالى :
إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ
[ سورة الزمر ، الآية : 9 ] ، وقال تعالى :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ
[ سورة الزمر ، الآية : 21 ] إلى غير ذلك من الآيات المباركة . وقد فسر سبحانه اللب في قوله تعالى :
الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ
[ سورة الزمر ، الآية : 18 ] . ولم يرد لفظ اللب مفردا في القرآن الكريم كما لم يرد لفظ العقل كذلك . والمتأمل في الآيات المتضمنة لذكر أولى الألباب يعلم أنها وردت في مدحهم بخلاف العقل فإنّه ليس كذلك ، قال تعالى :
أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ
[ سورة الأنبياء ، الآية : 67 ] ، وقال تعالى :
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
[ سورة النور ، الآية : 61 ] . ولعل السر في عدم ورود المفرد لهذين اللفظين الإشارة إلى أنّهما من