تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
وقد ثبت في الفلسفة الإلهية أنّ الإنسان من بدء وجوده إلى حين موته إنما يسعى ويستهدف في حياته تحصيل غاية وغرض مّا وهذا الغرض يختلف باختلاف أفراد الإنسان ، ويمكن جمع تلك الأغراض المختلفة غير المحدودة في عنوانين كليين : الأغراض الواقعية العقلية ، والخيالية الوهمية ، وليس كل فرد يصل إلى غايته وغرضه لوجود موانع لا تعد وعوائق لا تحصى ، والحياة عبارة عن جلب الملائم ودفع العوائق وثبت هذا بالفطرة أيضا . وفي الآية المباركة إشارة إلى أن الغاية العقلية التي لا بد من طلبها والغرض الذي يجتهد في تحصيله ذلك الكتاب ، لقوله تعالى :
وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ
[ سورة النحل ، الآية : 89 ] فهلموا إليه ولا تذهبوا يمينا وشمالا فتضلوا السبيل . ويمكن أن يكون المراد بالكتاب هو ذلك الكتاب الذي كان الأنبياء ( عليهم السّلام ) يطلبونه بالفطرة الاستكمالية عندهم لتكميل النفوس الإنسانية ، ويدل عليه قوله تعالى :
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ
[ سورة المائدة ، الآية : 48 ] . قوله تعالى :
لا رَيْبَ فِيهِ
. الريب والريبة : هو الشك بل هو أدنى مراتبه وحذف المتعلق يفيد العموم أي : أن ذلك الكتاب لا شك فيه من أي جهة يمكن أن يتصور فيه الشك فهو مبرأ من كل عيب وشك ، لأن نفي كل طبيعة يقتضي نفي جميع أفرادها المتصورة في تحققها ، فنفي الريب بقول مطلق يقتضي نفيه في نظمه وبلاغته وفي علومه ومعارفه وتشريعاته وجميع الجهات المتصورة في كماله ومعارفه ولا ريب في كونه كذلك ، فليس لأحد أن يرتاب فيه بعد الاعتراف بأنه من الحكيم الخبير ، وهذا حكم عقلي ذكره اللّه تبارك وتعالى في كتابه الكريم كسائر الأحكام العقلية ، كقوله تعالى :
أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ سورة إبراهيم ، الآية : 10 ] . قوله تعالى :
هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
. هدى مصدر والهداية الدلالة إلى الصراط المستقيم ولها مراتب كثيرة تختلف باختلاف الاستعدادات وسائر الجهات اختلافا كثيرا ، وتقدم ما يتعلق بها في سورة الفاتحة .