قوله تعالى :
« إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ » .
( 91 )
الفرق بين هذه الآية وسابقتها أنّ السابقة في بيان موقف التوبة أو شرط صحّتها ؛ وهو الجدّ في التوبة بخلاف توبة المنافق فإنّه لا توبة له ، مثل قوله تعالى :
« اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ »
، [ التوبة ( 9 ) / 80 ] . وأمّا هذه الآية فهي في مقام بيان حلول العذاب لساحة الكفّار ، وأنّه لا مطمع في نجاتهم بالفداء ، ولا بشفاعة الشافعين فإنّ مورد الشفاعة من ارتضاه اللّه من حيث دينه ؛ والدّين المرضيّ عند اللّه هو الإسلام .
والظاهر أنّ قوله تعالى :
« فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً »
أي على فرض إنفاقه في الدنيا . وكذا قوله :
« وَلَوِ افْتَدى بِهِ »
فلا تنفعه الفدية بملء الأرض ذهبا .
قوله تعالى :
« لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ » .
قال في لسان العرب 4 / 52 : وبرّ يبرّ إذا صلح . وبرّ في يمينه يبرّ إذا صدّقه ولم يحنث . وبرّ رحمه يبرّ إذا وصله . ويقال : فلان يبرّ ربّه أي يطيعه . . . والبرّ : الصادق .
وفي التنزيل العزيز :
« إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ » .
قال في مجمع البيان 2 / 473 : واختلف في البرّ هنا فقيل : هو الجنّة ، عن ابن عباس ومجاهد . وقيل : هو الطاعة والتقوى ، عن مقاتل وعطا . وقيل معناه : لن تكونوا أبرارا أي صالحين أتقياء ، عن الحسن .
أقول : ظاهر أنّ البرّ الّذي ينالونه بإنفاق ما يحبّون إنّما هو في مرتبة الجزاء .
وحيث إنّ منشأ كلّ جزاء والمعطي لكلّ خير وبرّ هو اللّه جلّ ثناؤه فيكون المعنى :
لن تنالوا برّ اللّه وكرامته لأهل الإنفاق وأهل طاعته حتّى تنفقوا من جياد أموالكم ومن نفائسها . فالمراد من البرّ المذكور في الآية هو جزاؤه تعالى للأبرار والمنفقين والمحسنين .
في الكافي 2 / 157 ، عن محمّد بن يحيى مسندا عن أبي ولّاد الحنّاط قال :
سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن قول اللّه عزّ وجلّ :
« وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً » .