تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
يبدو أنهم كانوا يتنافسون متهافتين على تناجي الرسول صلى الله عليه وآله كلّ في شأن يخصه ، ليسمعه بالانفراد ، وكأوسمة شرف ، وهذا مما يخلق فوضى ، وليس بإمكان الرسول صلى الله عليه وآله أن يقتسم أوقاته بين المتنافسين ، وله مهامّ جماعية ، وأوقاته الشريفة تعم الكل ، فلا تصلح مناجاته إلا في صالح الأمة ، وليتضح لهم مدى اهتمامهم بنجواه ، لذلك كله يقرر اللَّه ضريبة لمن يريد نجواه ، كصدقة تصرف في صالح الأمة أيضاً فقال :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ »
: وذلك حينما أكثر الأغنياء مناجاة النبي عليه السلام وغلبوا الفقراء على المجالس عنده حتى كره الرسول صلى الله عليه وآله ذلك ، واستطالة جلوسهم وكثرة مناجاتهم ، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية ، يأمرهم بالصدقة أمام المناجاة . أما أهل العسرة فلم يجدوا فعفي عنهم ، ولكن الأغنياء بخلوا ، بين عاص في مناجاته دون صدقة ، وبين من ضنّ بها وترك مناجاته ، فنزلت الآية راشقة بسهام الملام ، ناسخة بحكمها حيث أحجم من كان دأبه الإقدام . وفي هذا الأمر ونسخه تعظيم للرسول صلى الله عليه وآله ونفع للفقراء ، وتمييز بين المخلص وغيره ودفع للتسكاثر عليه صلى الله عليه وآله من غير حاجة جماعية مدقعة .
« ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ »
كجماعة المسمين ، فإنه لصالحكم جماعياً
« وَأَطْهَرُ »
: لقلوبكم ، إذ تدل الصدقة أن النجوى بعدها خالصة لوجه اللَّه ، ولكن الفقير ماذا يصنع ؟ هل يحرم لأنه فقير المال ، فيصاف إليه فقر الحال ؟ كلا :
« فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ »
غفران يخص المعدمين دون أن يعم الواجدين ، مما يجاوب الأمر بالصدقة في الدلالة على وجوبها ، فإنها بين أمر وغفر ، كما تجاوبه توبة اللَّه عليهم إذ لم يفعلوا . ولقد تواترت الروايات أنه لم يعمل بهذه الآية إلا الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام « 1 » وعلى حدّ قوله : ( ان في
هامش
( 1 ) ) . أورده الثعلبي والواحدي وغيرهما من المفسرين والمحدثين ، فمن ذلك ما يقوله الشيخ شرف الدين بعد نقل كثير من‌أخبار النجوى : « أعلم أن محمد بن العباس ذكر في تفسيره سبعين حديثاً من طريق الفريقين يتضمن ان المناجي للرسول صلى الله عليه وآله هو أمير المؤمنين عليه السلام دون الناس أجمعين » وأخرجه ابن بطريق في العمدة بأسانيد عن الثعلبي وابن المغازلي ورزين وغيرهم ، وفي المستدرك عن أبي نعيم باسناده عن أبي صالح عن أبن عباس ، وباسناده عن مجاهد وعلي بن علقمة عن علي عليه السلام وابن مردويه في المناقب بأربع طرق أحدها يرفعه إلى سالم بن أبي الجعد عن علي مثله ، وفي الجمع بين الصحاح الستة قال أبو عبداللَّه البخاري وروى مثله ، وعن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس مثله ، والحافظ أبو نعيم في كتاب ما نزل من القرآن في علي بسنده عن ابن جريح عن عطاء عن ابن عباس ، وعن مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس ، إلى غير ذلك من الأسانيد