ثم و « يطلبه حثيثاً » لمحة صارحة لاختلاف الآفاق الأرضية ، فهي - / اذاً - / مدوَّرة غير مسطحة ، والّا لم يكن معنى ولا واقع ل « يطلبه حثيثاً » أن يطلب الليل النهار حثيثاً تدريجياً سريعاً مجداً - / حيث الحث هو الطلب بجد وسرعة - / بل ليكن الأرض كلها ليلًا أم كلها نهاراً لو كانت مسطحة أو شبه مسطحة ، وهذا الطلب ليس الّا من حصائل حركة الأرض وكرويَّتها ، أم وحركة الشمس .
ذلك ، فلولا أن الظلمة أصل للجو المظلم ، مخلوق معه دون غيار ، لم يكن لسلخ النهار منه معنى صالح ، حيث السلخ ليس الا لقشر عارض ، وأما « يغشى الليل والنهار » فإنه اغشاءٌ ، لذلك الجلد العارض بغشاء الظلمة الذاتية .
ثم « يطلبه حثيثاً » لا يصدق الّا باختلاف الآفاق ، والا لم يكن يطلبه لا حثيثاً ولا غير حثيث لمكان المفارقة البائنة بينهما ، اذاً فلتكن الأرض منحنية السطح كروية أو بيضوية أماهيه حتى يصدق « يطلبه حثيثاً » : سريعاً .
ذلك ، فهذه الآية المُغشية الليل النهار ، ومعها آية التكوير : «
يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ
» ( 39 : 5 ) وهكذا آيات الإيلاج بينهما ك «
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ
» ( 22 : 61 ) وآية السلخ «
وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ
» ( 36 : 37 )
هذه كلها إشارات متقنة لكروية الأرض ودورانها ، ولم تكن الظروف النازلة فيها القرآن تسمح للتصريح بذلك ان كان يواجَه بالتكذيب سناداً إلى الحس ، والعلم إحينذاك .
فهذه وأضرابها من الإشارات اللطيفة القرآنية المعبر عنها بالبطون ، كانت لا بد منها في ذلك الكتاب المحلِّق على كافة المكلفين منذ نزوله إلى يوم الدين .
فقد يعبر عن حركات الأرض ب « الراجفة » و « الكفات » و « الذلول » تدليلًا واضحاً على أن الأرض محكومة بحركات متداخلة فهي « راجفة » وأنها مسرعة في الطيران منقبضة على سطحها وفضاءها الكائنين فيها : أحياءً وأمواتاً « كفاتاً » وأنها على حركاتها معدَّلة لحد لا تُحَس «
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا
» وما أشبه .