أناس عند الخالق سبحانه وتعالى ، ولم يكن عدل اللّه ليترك أناسا متخبطين في أمورهم على الكفر ، ويرسل الرسل لأناس آخرين بالهداية ؛ فالناس بالنسبة لله سواء . وما دام الحق سبحانه قد أوجد الخلق من البشر فلا بد أن ينزل لهم منهجا ؛ ولذلك حين نقرأ قول الحق سبحانه :
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ
« 1 »
مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ
( 96 ) [ آل عمران ]
نجد فيه الرد على من يقول إن إبراهيم عليه السّلام هو أول من بنى الكعبة ؛ لأن الحق سبحانه وتعالى لم يترك الخلق من آدم إلى إبراهيم دون بيت يحجون « 2 » إليه ، ولكن الحق سبحانه وضع البيت ؛ ليحج إليه الناس من أول آدم إلى أن تقوم الساعة ، والذي وضع البيت ليس من الناس ، بل شاء وضع البيت خالق الناس ، وما فعله سيدنا إبراهيم - عليه السّلام - هو رفع القواعد من البيت الحرام .
أي : أنه أقام ارتفاع البيت بعد أن عرف مكان البيت طولا وعرضا ، مصداقا لقول الحق سبحانه :
وَإِذْ بَوَّأْنا
« 3 »
لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ . .
( 26 ) [ الحج ]
هامش
( 1 ) بكة : موضع البيت الحرام . ومكة : الحرم كله وتدخل فيه البيوت . وبعض علماء التفسير مثل مجاهد ذهب إلى أن كليهما واحد ، وأن الميم مبدلة من الباء . ثم قيل : بكة مشتقة من البك وهو الازدحام أي : ازدحامهم في موضع طوافهم . والبك أيضا : دق العنق ، وسميت بذلك لأنها كانت تدق رقاب الجبابرة إذا ألحدوا فيها بظلم . بتصرف من تفسير القرطبي ( 2 / 1486 ) .
( 2 ) يحجون إليه : يقصدونه بشد الرحال إليه للعبادة والتعظيم . قال الجرجاني في كتابه : « التعريفات » ( ص 72 ) : « الحج : القصد إلى الشئ المعظم ، وفي الشرع قصد لبيت اللّه تعالى بصفة مخصوصة في وقت مخصوص بشرائط مخصوصة في أماكن مخصصة » .
( 3 ) بوأنا له : أنزلناه بمكان البيت الحرام وهديناه إليه . والتبوّء : أن يعلم الرجل الرجل على مكان لينزل به . وبوأنا له : هيأنا له المكان ومكناه منه . قال تعالى :وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ . .( 56 ) [ [ يوسف ] . [ اللسان : مادة ( بوأ ) - بتصرف ] .