ومعنى العبادة طاعة الأمر ، والكف عن المنهى عنه ، والمأمور صالح أن يفعل وألا يفعل ، فالعبادة - إذن - تستدعى وجود طائع ووجود عاص ، وأضرب هذا لمثل ولله المثل الأعلى ومنزه سبحانه وتعالى : يأتي لك من يروى لمحة من سيرة إنسان ويقول لك : لماذا يقف منك هذا الموقف العدائي ، أليس هو الذي أخذته معك لتوظفه ؟ فترد عليه : « زرعته ليقلعنى » . هل كان وقت مجيئك به كنت تريده أن يقلعك ؟ لا . ولكن النتيجة والنهاية صارت هكذا .
والحق سبحانه لم يخلق البشر من أجل الجنة أو النار . لكنه عز وجل خلقهم ليعبدوه ، فمنهم من آمن وأصلح فدخل الجنة ، ومنهم من عصى فدخل النار وهذا اسمه « لام العاقبة » ، أي ما صار إليه الأمر غير مرادك منه ، ومثال ذلك حينما قال اللّه سبحانه لأم موسى :
فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 7 ) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا
( من الآية 7 ومن الآية 8 سورة القصص )
هل التقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا ؟ لا ، لأن زوجة فرعون قالت :
قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا
( من الآية 9 سورة القصص )
فقد كانت علة الالتقاط - إذن - هي أن يكون قرة عين ، لكنه صار عدوا في النهاية ، وهذا اسمه - كما قلت - لام العاقبة .
وهكذا لا تكون علة الخلق أن يدخل كثير من الجن والإنس النار ، في قوله الحق :
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
لأن علة الخلق في الأصل هي العبادة ، والعبادة تقتضى طائعا وعاصيا ، فالذي يطيع يدخل الجنة ، والذي يعصى يدخل النار ، ولله المثل الأعلى ، أذكركم بالمثل الذي