وهي الأشياء التي تصيب الإنسان في ذاته ، فذلك ليسلب منهم أبهة الكبرياء ، فلا يجدون ملجأ إلا أن يخضعوا لرب الأرض والسماء ، ولكي يتضرعوا إلى اللّه ، ومعنى التضرع - كما عرفنا - إظهار الذلة للّه . وإذا لم يجد وينفع فيهم هذا ، وقالوا : لا ، إن البأساء والضراء مجرد سنن كونية ، وقد تأتى للناس في أي زمان أو مكان . نقول لهم : صحيح البأساء والضراء سنن كونية من مكوّن أعلى من الكون ، فإذا لم يرتدعوا بالبأساء والضراء ويرجعوا إلى ربهم ويتوبوا إليه يبتليهم اللّه بالنعماء ، فهو القائل :
فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ
( 44 ) ( سورة الأنعام )
فالمجتمعات حين تبتعد عن منهج السماء نجد الحق ينتقم منهم انتقاما يناسب جرمهم ، ولو أنه أخذهم على حالهم المتواضع فلن تكون الضربة قوية ؛ لذلك يوسع عليهم في كل شئ حتى إذا ما سلب منهم وأخذهم بغتة وفجأة تكون الضربة قوية قاصمة ويصيبهم اليأس والحسرة .
وقديما قلنا تعبيرا ريفيّا هو : إن الإنسان إن أراد أن يوقع بآخر لا يوقعه من على حصيرة ، إنما يوقعه من مكان عال . وربنا يعطى للمنكرين الكثير ويمدهم في طغيانهم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر . وقد دلت وقائع الحياة على هذا ، ورأينا أكثر من ظالم وجبار في الأرض والحق يملى له في العلو ويمد له في هذه الأسباب ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر ، ولو بواسطة حارسة .
ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
( 95 ) ( سورة الأعراف )
وقد يضبط الإنسان أشياء تعلمه بواقع الشر في مستقبله . مثلها مثل « الرادار » الذي يكشف لنا أي خطر في الأفق قبل أن يأتي ، وحين يقول سبحانه :
وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
أي ليس عندهم حساب ولا مقاييس تدلهم على أن شرّا يحيق بهم .