تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 4063

مساهمون:

ص٤٠٦٣
وهكذا كان الموقف استكبارا واستعلاء . وقوله الحق :
ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ
( من الآية 75 سورة ص ) ونحن حين نحلل هذا النص ، نجد قوله :
ما مَنَعَكَ
أي ما حجزك ، وقد أورد القرآن هذه المسألة بأسلوبين ، فقال الحق مرة :
ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ .
وقال مرة أخرى :
ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ .
وهذا يعنى أن الأسلوب الأول جاء ب « لا » النافية ، والأسلوب الثاني جاء على عدم وجود « لا » النافية . وقوله
ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ
كلام سليم واضح ؛ يعنى : ما حجزك عن السجود . لكن
ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ
هي التي تحتاج لوقفة . لذلك قال العلماء : إن « لا » هنا زائدة ، ومن أحسن الأدب منهم قال : إن « لا » صلة . لكن كلا القولين لا ينفع ولا يناسب ؛ لأن من قال ذلك لم يفطن إلى مادة « منع » ولأي أمر تأتى ، وأنت تقول : « منعت فلانا أن يفعل » ، كأنه كان يهم أن يفعل فمنعته . إذن
ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ
كأنّه كان عنده تهيؤ للسجود ، فجاءت قوة أقوى منه ومنعته وحجزته وحالت بينه وبين أن يسجد . لكن ذلك لم يحدث . وتأتى « منع » للامتناع بأن يمتنع هو عن الفعل وذلك بأن يقنعه غيره بترك السجود فيقتنع ويمتنع ، وهناك فرق بين ممنوع ، وممتنع ؛ فممنوع هي في
مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ ،
وممتنع تعنى أنه امتنع من نفسه ولم يمنعه أحد ولكنّه أقنعه . وإن كان المنع من الامتناع فالأسلوب قد جاء ليؤكد المعنى الفعلي وهو المنع عن السجود . وهذا هو السبب في وجود التكرار في القرآن . ولذلك قال الحق سبحانه :
قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ
( من الآية 12 سورة الأعراف ) وسبحانه قد أمر الملائكة وكان موجودا معهم إما بطريق العلو ، لأنه فاق الملائكة وأطاع اللّه وهو مختار فكانت منزلته عالية ، وإما بطريق الدنو ؛ لأن الملائكة أرفع من إبليس بأصل الخلقة والجبلة ، وعلى أي وضع من العلو والدنو كان على إبليس أن يسجد ، ولكنه قال في الرد على ربّه :
تفسير الشعراوى — صفحة 4063 | محمد متولي الشعراوي