ما أنتم وما محمد ؟ فقال سادة قريش : نحن ننحر الكوماء « 1 » ونسقى اللبن على الماء ونفك العاني « 2 » ونصل الأرحام ونسقى الحجيج وديننا القديم ودين محمد الحديث .
فقال الأحبار : أنتم خير منه وأهدى سبيلا . وبذلك زوروا القول .
وينقل الرواة قصة أخرى في هذا الموضع ، أن واحدا من أحبار اليهود قال لأبى سفيان : أنتم واللّه أهدى سبيلا مما هو عليه . وقال الأحبار ذلك حسدا لرسول اللّه .
إذن فهل يرتضى أهل الكتاب حكم الجاهلية ؟ لا . ولكنه التناقض والتضارب .
وما داموا قد تناقضوا مع أنفسهم صار من السهل أن يتناقضوا مع الكتاب الذي نزل إليهم . ولذلك يتساءل الحق :
« أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ »
ثم يأتي من بعد ذلك بالمقابل وهو قوله :
« وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً »
. وسبحانه لم يقل : إن الأحسن في الحكم هم المسلمون لجواز أن يكون من المسلمين من ينحرف ، لذلك رد الأمر إلى ما لا يتغير أبدا وهو حكم اللّه .
وحين يقرر سبحانه ذلك فإنه - أزلا - يعلم أنه سيأتي قوم مسلمون وينحرفون عن المنهج .
ونحن نرى في بعض الأحيان سلوكا منحرفا من مسلم ، فهل نلصق هذا السلوك بالإسلام ؟ لا . بل ننظر إلى حكم اللّه في كتابه . وعندما نرى أن حكم اللّه يجرم فعلا وله عقوبة ، فالعقوبة تقع على المسلم المنحرف أيضا . والمثال قوله الحق :
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما
( من الآية 38 سورة المائدة )
وهذا الحكم يطبق على المسلم وغير المسلم ، إذن فلا نقول هذا حكم المسلمين وذلك حكم الجاهلية . ولكننا نقول : إنه حكم صاحب المنهج وهو اللّه .
ونلحظ أن هناك استفهاما في قوله الحق :
« وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً » .
والاستفهام هو نقل صورة الشئ في الذهن ، لا نقل حقيقة الشئ . وساعة يطلب
هامش
( 1 ) الكوماء : الناقة العظيمة النّام .
( 2 ) العاني : الأسير .