علم ، لكن قد ينتفع هو بعلمه ، وقد لا ينتفع ، لكنه ينقل علمه إلى من ينتفع به .
ولذلك يقول أحد العلماء :
فخذ بعلمى ولا تركن إلى عملي * واجن الثمار وخلّ العود للنار
فلا تقل : إن هذا العالم يقول لنا كذا وكذا ، ونراه في تصرفاته عكس ما يقول ، لأن عليك أن تأخذ ثمرة العلم ، واترك العود للنار . ولكن على العالم أن يكون أول من يمتثل ويطبق ما يقوله حتى لا يعذب ولا يدخل تحت قوله تعالى :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ ، كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ » .
« وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ »
وعرفنا أن التوراة فيها نور وهدى ويحكم بها النبيون والربانيون والأحبار بالوسيلة التي طلب اللّه منهم أن يحفظوها ، وبما طلبه رسولهم منهم أن يحفظوا هذه التوراة . وقال الحق :
« اسْتُحْفِظُوا »
ولم يقل : « حفظوا » ليبين لنا الفارق بين كل كتاب سابق للقرآن وبين القرآن ؛ لأننا عرفنا أن كل رسول قد جاء بمعجزة تدل على أنه صادق البلاغ عن اللّه .
ولكل الرسل من السابقين على رسول اللّه معجزة منفصلة عن المنهج ، مثال ذلك سيدنا موسى فمعجزته العصا وفلق البحر ، أما منهجه فهو التوراة . وسيدنا عيسى معجزته إبراء الأكمه والأبرص ، والمنهج الذي جاء به هو الإنجيل . أما سيدنا رسول اللّه فمعجزته هي عين منهجه ، وهي القرآن . وكان الأمر الموجود بالنسبة لكل رسول مرتبطا بزمانه وجماعته ومحتاجا إلى معجزة مناسبة ومنهج مناسب ، لكن الرسول الذي أرسله اللّه إلى الناس جميعا وخاتما للأنبياء لا بد أن تظل معجزته عين منهجه بحيث يستطيع أي مسلم أن يقول حتى قيام الساعة : محمد رسول اللّه وهذه معجزته وهي عين منهجه .
وسيظل القرآن معجزة ظاهرة إلى أن تقوم الساعة ؛ لأن اللّه أرادها مختلفة عن بقية المناهج والمعجزات . فالمعجزات السابقة كانت كعود الثقاب الذي يشتعل مرة