مقتضى ذلك أن ينصفوا أنفسهم بأن يعودوا إلى الإيمان ؛ لأن الحق ذكرهم بما نسوا ليحققوا لأنفسهم الحظ الجميل . وقد يراد أنّهم تركوا ذلك عامدين معرضين عنه مغفلين له عن قصد .
ويقول الحق من بعد ذلك :
وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
( من الآية 13 سورة المائدة )
أي أن خيانتهم لك يا رسول اللّه ولأتباعك ولمنهج اللّه الحق في الأرض ستتوالى ، ولا أدل على ذلك مما حدث منهم ضد رسلهم أنفسهم مع أنهم من بنى جلدتهم ومن عشيرتهم ، إنهم من بني إسرائيل مثلهم ، فما بالك بنبي جاء من جنس آخر ليقتحم عليهم سلطتهم الزمنية ؟
إذن فخيانتهم للّه متصورة . و
« خائِنَةٍ »
بمعنى « خيانة » مثلها مثل « قائلة » وهي القيلولة أي المسافة الزمنية بعد الظهر ، وفعلها : قال يقيل أي نام وسط النهار أو
« خائِنَةٍ »
أي « نفس خائنة » . أو « خائنة » مثل امرأة خائنة ، أو « خائنة » مبالغة كما نقول « راو » و « راوية » ونحن نعنى رجلا ، أو نقول « جماعة خائنة » .
إذن فالكلمة الواحدة هنا مستوعبة لكل مصادر الخيانة منهم ، رجل أو امرأة أو جماعة أو كل هؤلاء . والذي يتكلم هنا هو رب العالمين ، ويتكلم للعرب وهم أهل فصاحة ، إنه أداء لغوى عال .
ومن فرط دقة القرآن وصدقه يأتي الحق بقوله :
« إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ »
طبقا لقانون صيانة الاحتمال . فحين يخاطب اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ليبين له موقف اليهود منه ، ألا يحتمل أن يوجد قوم من اليهود يغلبهم الفهم العميق فيفكروا في أن يؤمنوا بهذا الرسول ، ويهدئوا من شراسة ظنهم به ؟ وقد فكر بعضهم وأعلن الإسلام .
وهؤلاء القوم عندما يسمعون أحكام اللّه على اليهود أجمعين ، ألا يقولون : وما لنا