عملك لغيرك . وحين يقول سبحانه :
« كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ »
يعلمنا ألا نضيع مجهودنا هباء ، بل نوجه المجهود للعمل ونقوم به لوجه اللّه ، لأنه سبحانه لا ينسى أبدا جزاء عبده ، وهو الذي يرد كل جميل . إنه - سبحانه - يقول :
« هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ » .
ويقول أيضا :
إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
( من الآية 120 سورة التوبة )
وحين يكون الواحد منا قوّاما للّه يكون قد استغل حركة وجوده لخير خلق اللّه ، وهذا العمل مطلوب منك . ولا يكفى أن تكون حركتك محصورة في ذلك ، بل يجب أن تمتد أيضا حركة حياتك لتكون شاهدا بالعدل . وكذلك توجه للعدل من تحدثه نفسه أن ينحرف . وحين تكون قوّاما للّه فهذا أمر حسن ، وعليك أن تحاول إقناع غيرك بأن يكون قيامه للّه بأن تكون شاهدا بالقسط والعدل . وحين تكون شاهدا بالقسط والعدل لا يتمادى ظالم في ظلمه . فالذي يجعل الظالم يشتد ويستشرى ظلمه ويتفاقم شره هو أنه يجد من يدلسون على العدالة ويسترون ويخفون العيوب ويخادعون الناس .
لكن لو وجد الإنسان الذي ينير الطريق أمام العدالة لما وجد ظلم . لكن الظالم يحب من يدلس عليه ؛ فيقول لنفسه : إن فلانا ارتكب جريمة مثل جريمتى ونال البراءة . وتدليس الشهادة يقود إلى خراب المجتمعات . ولو أن المجتمع حينما يرى أن شهادة أفراده هي شهادة بالقسط وشهادة بالعدل ، فإن كل فرد في المجتمع إذا همّ بظلم يرتدع قبل أن يفعل الظلم ، ولكان الظالم ينال عقابه ويصير مثالا لارتداع غيره . والمؤمن مطالب أولا بالقيام للّه بإصلاح ذاته ، ومطالب ثانيا أن يشهد بالقسط والعدل لإصلاح غيره .
وكلمة « القسط » تأتى منها اشتقاقات كثيرة ، وهي من الألفظ التي قد تدل على العدل وقد تدل على الجور ، وهي من الألفاظ التي تستعمل في الأمر وفي نقيضه .
وهذا من محاسن اللغة . ويتطلب ذلك أن يمحص السامع الكلمة ويتعرف على معناها بما يتطلبه السياق .