تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 2968

مساهمون:

ص٢٩٦٨
بالمغفرة ؟ ذلك أن ( الجبار ) صفة من صفات الجلال التي تقتضى معاقبة المذنب ، والذنب متعلق بصفات الجلال لا بصفات الجمال ، إذن فالمنطق يقتضى أن يقف المذنب أمام شديد الانتقام ؛ لأن المقام يناسب صفات الجلال ، ولكن علينا أن نتذكر جيدا أن اللّه يرخى العنان للمذنب لعله يتوب ، وأن اللّه يفرح بتوبة عبده وأن رحمته تغلب غضبه . ويذيل الحق الآية :
« إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ »
والتقوى - كما نعلم - لا تنشأ من الأفعال المحسة المدركة فقط ، بل تنشأ أيضا في الأحوال الدخيلة المضمرة . ومثال ذلك نية سيئة ونية حسنة . فالحقد ، الحسد ، التبييت ، المكر ، كل ذلك صفات سيئة ؛ فإياكم أن تقولوا إن التقوى للمدركات فقط ؛ بل للمحسات أيضا . وعمل القلوب له دخل في تقوى اللّه . ومن بعد ذلك يقول الحق :

[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 8 ]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 8 ) إنّ الحق - كما علمنا - حين ينادى المؤمنين بقوله :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا »
إنه سبحانه لم يقتحم على الناس تصرفاتهم الاختيارية لمنهجه ، بل يلزم ويأمر من آمن به ويوجب عليه ؛ فيوضح : يا من آمنت بي إلها حكيما قادرا خذ منهجى . ولكن الحق يقول :
« يا أَيُّهَا النَّاسُ » *
حين يريد أن يلفت كل الخلق إلى الاعتقاد بوجوده ، أما من يؤمن به فهو يدخل في دائرة قوله الحق :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا »
وهذا النداء يقتضى بأن يسمع المؤمن التكليف ممن آمن بوجوده .