الإنسان ، إنها فيوضات من غيب ؛ فكرمه لك غيب كالاعتدال في المزاج والعافية ورضا النفس وسمو الفكر .
إذن فقوله الحق :
« وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ »
أي أنكم عشتم قبل ذلك مع نعمة المنعم ، وسبحانه يدعوكم إلى لقاء المنعم ، ذلك تمام النعمة . وأضرب هذا المثل - وللّه المثل الأعلى - إننا نجد الابن ينظر إلى هدايا الأب الغائب ويقول : أنا لا أريد هذه الأشياء ولكني أريد أبى .
إن تمام النعمة - في المستوى البشرى - أن يرى الإنسان المنعم عليه وهو إنسان مثله ، أما تمام النعمة على المخلوق من الخالق فيستدعى أن يتطهر الإنسان بما حدده له اللّه وأن يصلى فيلقى اللّه .
« وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ »
ساعة نسمع : أنا فعلت ذلك وذلك لعلك تشكر ، فهذا يعنى أنك إن فعلت ما آمرك به فستجد أمرا عظيما . والأمر الطبيعي يقتضى أن تشكر عليه كأن ما فعله اللّه للإنسان يوجب عند الإنسان نعمة أخرى لا يمكن أن يستقبلها إلا بالشكر ، مثلما قال اللّه :
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
( 78 )
( سورة النحل )
إنّ السمع والأبصار والأفئدة هي منافذ الإدراك . وما دام الحق قد خلقنا ولا نعلم شيئا ، وجعل لنا أدوات الإدراك . وأوضح : أنا خلقت لك هذه الأدوات للإدراك لعلك تشكر ، أي تلمح آثارها في نفسك مما يربى عندك ملكة الإدراك للمدركات .
ويقول الحق من بعد ذلك :
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 7 ]
وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 7 )