الفهم عن النص ، فالحق يقول هنا :
« أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ »
فهل الكلاب والفهود والنمور التي تصطاد بواسطتها هي المحللة لنا لأننا علمناها الصيد ؟ لا .
« أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ »
هي قضية منتهية . وبعد ذلك فهنا كلام جديد هو :
« وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ »
.
إذن فالذي أحل هو ما أمسكت ما علمت من الجوارح ، وليست الجوارح التي يعلمها الإنسان ، أي أن الحق أحل لنا الطيبات وأكل ما أمسكت علينا الكلاب التي علمناها الصيد . و « الجوارح » مفردها « جارح » ومعناها « كاسب » ، ولذلك تسمى أيدينا جوارح ، وعيوننا جوارح ، وآذاننا جوارح ؛ لأننا نكسب بها المدركات . فالعين جارحة تكسب المرئى ، والأذن جارحة تكسب المسموع . والأنف جارجة تكسب المشموم . واللمس جارحة لأننا نكسب بها الملموس . ويقول الحق سبحانه وتعالى :
وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ
( من الآية 60 سورة الأنعام )
و
« ما جَرَحْتُمْ »
أي ما كسبتم ، إذن فالجارحة هي الكاسبة . وقوله الحق :
« وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ »
مقصود به الحيوانات التي نعلمها كيف تصطاد لنا ، وسميت جوارح ، لأنها كاسبة لأصحابها الصيد ، فالإنسان يطلقها لتكسب له الصيد ، أو أنها في الغالب تجرح ما اصطادته . وكلا المعنيين يصح ويعبّر .
والأصل في ما علّم الإنسان من الجوارح هو الكلاب ، وألحق بالكلاب غيرها مثل الفهود والنمور والصقور . والحق قال :
« وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ »
أي ما بذلتم من جهد في تدريب هذه الجوارح للصيد ، فالإنسان لا يطلق الكلب أو الصقر ليصطاد ، لكنه يقوم - أولا - بتدريب الحيوان على ذلك .
ومثال ذلك : عندما يقوم مدرب القرود بتدريب كل قرد على الألعاب المختلفة ، وكذلك مدرب « السيرك » الذي يقوم بتدريب الأسود والفيلة ، فهذا الفيل الضخم يقف بأربعة أرجل على أسطوانة قطرها متر واحد ، وذلك كله ممكن بالتدريب بما علمكم اللّه وألهمكم أيها البشر وبما أعطاكم من طول البال وسعة الحيلة .